قضايا وآراء

ما بين جيهان وريفغيني: مظاهر التدخل الأجنبي في السودان

إبراهيم الصديق علي
1300x600
1300x600

(1)


"قاعدين في السهلة" دارجة سودانية لطيفة التعبير، وواضحة الدلالة، بلا حواجز ومخابئ، وإنما كل شيء متاح ومفتوح.. وهذا هدر لمفهوم "لكل مقام مقال".. ما بين الإعلان والإسرار، ولكن الحال في السودان لا يسر صديقاً ولا يرضي خبيرا بخفايا الأمور وخبايا السياسة.. ولذلك تفصيل..

واقعتان تؤكدان هذه الحقيقة:

أولاً: في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020م تم التعاقد مع الأمريكية جيهان هنري (Jehanne Henry) مستشارة لوزارة العدل، وهي خريجة فلسفة وذات اهتمام بحقوق الإنسان. وفي هذه المرحلة يتم تعديل الكثير من القوانين وإصدار الكثير من التشريعات مع استشارات من السيدة جيهان..

وثانياً: حملة "يد العون" لتوزيع رغيف الخبز مجاناً من قبل رجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوجين، في أم درمان ومناطق أخرى من العاصمة. ويفغيني تلاحقه السلطات الأمريكية بتهمة تهديد الأمن القومي والتدخل في الانتخابات الأمريكية، وفرضت عليه عقوبات في نيسان/ أبريل 2021م، وتتهمه دول أوربية بدعم مجموعة فاغنر العسكرية وتدخلاتها المشهورة في سوريا وليبيا ومناطق أخرى..

فهذه الوقائع تشير إلى أختراق أجنبي بشكل مؤسسي ومجتمعي، وهذا اتساق مع ذات مواقف الحكومة منذ طلب رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك في كانون الثاني/ يناير 2020م قوة من الأمم المتحدة للمساهمة في الانتقال بكل جوانبه. وبعد ضغوط الرأي العام وأطراف داخلية تم إنشاء فريق اليونتاميس ذات المهام الواسعة والوظائف المتعددة؛ من الأمن وحقوق الإنسان إلى التشريع والإصلاح الاقتصادي والقانوني..

(2)


في الأسبوع الماضي زار وفد من الترويكا كاودا مقر الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو لدفع عملية السلام، وضم الوفد كلاً من المبعوث الأمريكي دونالد بوث والبريطاني بوب فيرويد والنرويجي إنريجي، وعاد لتقديم مقترحات لأطراف الحكم. وعملية السلام واحدة من الفضاءات الأكثر بروزاً في للدور الأجنبي، وقبل أشهر تم تداول صور لعدد من الخبراء الأجانب يتحلقون حول وزير العدل د. نصر الدين عبد الباري، كما كان دورهم مشهوداً حين زار د. حمدوك كاودا بطائرة أممية..

وبينما كانت قناعات رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان أن رفع العقوبات الاقتصادية يمر من خلال التطبيع، وذهب في زيارة غير معلنة إلى كمبالا في شباط/ فبراير 2020م للقاء نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، فإن رؤية د. عبد الله حمدوك لإصلاح الاقتصاد تستند إلى العالم الخارجي، ووصفة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.. وهذا ما جرى وحدث وتداعياته معلومة..

ودون أن ننسى مساهمات وأدوار سفراء أجانب خلال عامي 2018 و2019، وتصريحاتهم ومنشوراتهم، وأبرزهم السفير البريطاني عرفان صديق، فإن مستشارين آخرين مثل كاميرون هيدسون كان لهم تأثير وقراءات مختلفة في المشهد السياسي السوداني.

(3)


والتدخلات الأجنبية، على سعتها، تتسم بالازدواجية وتغليب المصالح، فقد كان الاهتمام والدعم الدولي في قضية سد النهضة فاتراً، وكشفت جلسة مجلس الأمن يوم الخميس ٨ أيلول/ يوليو 2021م عن هذه الحقيقة. ومع قضية المياه والسدود كضرورة بقاء ووجود، فإن المجتمع الدولي رد الأمر للاتحاد الأفريقي.. ومع حدة التوتر فإن الاهتمام الخارجي بدا شحيحاً..

وقس على ذلك المساهمة في أزمة كورونا وشح الأدوية واللقاحات، ومعاناة المواطن السوداني..

والنقطة الأكثر نفاقاً هي صمت المنظمات الأممية والدولية عن انتهاكات حقوق الإنسان ومحاصرة الحريات والاعتقال التعسفي، ومصادرة الممتلكات، وغياب الأجهزة التشريعية، وتغليظ عقوبات النشر (تعديلات قانون المعلوماتية 2020م).. في تقرير اليونتاميس ومقرر حقوق الإنسان، رغم كل الشواهد.

إن مؤسسات مراحل الانتقال هشة، ومع غياب حاضنة سياسية صلبة وواضحة الرؤية والمنطلقات، فإنها تتزايد مخاطر التأثير الأجنبي بشكل مخيف يهدد بغياب المشروع الوطني..

التعليقات (0)