قضايا وآراء

الأقصى وردود الفعل العربية والإسلامية (2)

علي إبراهيم
1300x600
1300x600
مسار التفاعل الفلسطيني استمرار التباين بين السلطة والفصائل

تناولنا في مقالنا السابق جزءاً من التفاعل الفلسطيني مع الأقصى، المتمثل بتفاعل المقدسيين وفلسطينيي الأراضي المحتلة عام 48، والتحامهم المباشر مع الاحتلال، وما يحققونه من عرقلة لمشاريع الاحتلال وخططه التهويدية. وإلى جانب هذا التفاعل هناك نسقٌ آخر من التفاعل، ينقسم إلى قسمين أساسيين: تفاعل الفصائل الفلسطينية، التي تحمل لواء المقاومة وتتبنى مشروع مواجهة الاحتلال، من جهة، وتفاعل السلطة الفلسطينية من جهة أخرى.

وفي قراءة عامة لتفاعل هاتين الجهتين، نجد أن التباين بين تفاعلهما يستمر بصورة جلية، وقد ترسخ هذا التباين على إثر معركة "سيف القدس" وانخراط المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في المعركة لدعم المسجد الأقصى، في مقابل استمرار السلطة في التنسيق الأمني، وإعلانها عودته، وعدم وجود أي محاولة حقيقية لتوحيد الصف الفلسطيني، وهذا ما أسهم عملياً في ترسيخ الشرخ بين المكونات الفلسطينية. ونتناول في هذا المقال ملامح عامة من تفاعل كل منهما مع القضايا ذات الصلة بالمسجد المبارك.

الفصائل بين محاولة النهوض بواجب النصرة وإشكاليات البيت الفلسطيني

إلى جانب الانخراط في معركة "سيف القدس"، غلبت على تفاعل الفصائل الفلسطينية دعواتها إلى رفد المسجد الأقصى بالمرابطين والمصلين، خاصة إبان مواسم الأعياد اليهودية، ودعوتها مختلف الأطراف إلى مواجهة المخاطر التي تحدق بالمسجد الأقصى، وما يتصل بهذه التصريحات من دعوة الأطراف المعنية إلى رأب الصدع في البيت الفلسطيني، ووضع استراتيجية وطنية ترتقي إلى مستوى مجابهة المخاطر التي تُحدق بالمسجد المبارك.

وتتالت دعوات القوى والفصائل الفلسطينية، وخاصة حركتي حماس والجهاد، إلى قيادة السلطة وأجهزتها الأمنية إلى وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، وإطلاق حالة نضالية شاملة دفاعاً عن القدس والمسجد الأقصى، وإطلاق مشروع كفاح شعبي تحرري، تكون الضفة الغربية جزءاً أساسياً منه، معلنةً تمسّكها بإسلامية المسجد الأقصى، ورفضها مختلف مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، إضافةً إلى التمسك بخيار المقاومة الشاملة ضدّ الاحتلال، والمطالبة بالتدخل لحماية الأقصى والقدس والأماكن المقدسة.

وشكل رفض اتفاقيات التطبيع العربي مع الاحتلال، التي حاولت استهداف الوضع القائم في الأقصى، سمة جامعة لمختلف الفصائل الفلسطينية، التي عدت التطبيع "خيانة للقدس والمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية" و"مباركة لصفقة القرن المزعومة". وأشارت بعض تصريحات حركة حماس إلى أن الدول المطبعة تسعى إلى بناء تحالف إقليمي في المنطقة يكون الاحتلال الإسرائيلي جزءاً رئيساً فيه، وشددت على أن اتفاقيات التطبيع "باطلة وثمرة لخذلان جامعة الدول العربية"، وأعلنت الحركة عن إنشاء دائرة خاصة لمقاومة التطبيع.

إضافة إلى حركة حماس، وصفت حركة فتح اتفاقيات التطبيع بأنها "مجانية"، وأنها "خيانة"، ورأت أنها تشجع الاحتلال على رفع حجم الاستيطان، وأنها "تخلٍّ عن القدس ومقدساتها". وذكرت الحركة أن "التطبيع بكل أشكاله مرفوض ومستنكر، ويشكل طعنة حقيقية في ظهر الشعب الفلسطيني وقضيته.

وعلى الرغم من محاولات الفصائل العديدة الاتفاق على استراتيجية واحدة لمواجهة المخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية، فإنَّ عودة السلطة الفلسطينية إلى التنسيق الأمني في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، أثارت ردوداً فلسطينية غاضبة، فقد اتهمت حركة الجهاد السلطة الفلسطينية بإفشال حوارات المصالحة الفلسطينية بإعلانها العودة إلى التنسيق الأمني، ورفض عددٌ من الفصائل في مقدمتها حركتا حماس والجهاد هذا الإعلان. ودعت الجهاد قيادة السلطة إلى التراجع الفوري عنه، وشددت على أن القرار "انقلاب على كل مساعي الشراكة الوطنية، وتحالف مع الاحتلال بدلاً من التحالف الوطني".

وشبّه قياديون فلسطينيون عودة التنسيق الأمني باتفاقيات التطبيع مع الاحتلال، وأن السلطة الفلسطينية وفرت المناخ المناسب للمطبعين ليمضوا في التطبيع.

السلطة الفلسطينية عندما تقول ما لا تفعل

لم تكن مواقف السلطة الفلسطينية في عامي 2020 و2021 بعيدةً من حالة العجز تجاه ما يجري في القدس والأقصى، وهي حالة تؤكدها تفاصيل مواقف السلطة، وعدم تدخلها الفاعل في دعم المقدسيين في مختلف شؤونهم، ويظهر هذا العجز في خطابها ومواقفها وأدائها. فعلى الرغم من إدانة السلطة لما تقوم به سلطات الاحتلال من تهويد واعتداء ورفضها اقتحام المسجد الأقصى، فإنها لم تترجم هذا الرفض إلى خطوات عملية على أرض الواقع، وبقي هذا الرفض حبيس البيانات والتصريحات الرسمية.

تتخبط السلطة في تناقضها، إذ ترفض ما تقوم به، وتدعو إلى ما لا تفعله. ففي التصريحات الرسمية أكدت قيادة السلطة أن القدس خطّ أحمر، وقلب فلسطين وعاصمتها الأبدية، ولا سلام ولا أمن ولا استقرار إلا بتحريرها الكامل. ولكنها على الجانب الآخر أعلنت تمسكها برؤيتها للسلام، وأن حل القضية الفلسطينية بما فيها القضايا المتصلة بالقدس والأقصى محصورة بالمفاوضات، في انتظار ما سمته بـ"الشريك الإسرائيلي المحبّ للسلام".

وكرس إعلان السلطة الفلسطينية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 عودة التنسيق الأمني تناقض السلطة الفلسطينية، بعد وقفه المزعوم، خاصة أن التوقف لم يكن كاملاً. وكانت هذه العودة موضع استنكار فصائل المقاومة الفلسطينية التي رأت فيه "مزيداً من الارتهان للهيمنة الصهيو- أمريكية، وإعادة تسويق الوهم"، وطعنة للجهود الوطنية لبناء شراكة وطنية لمواجهة الاحتلال والضمّ والتطبيع و"صفقة القرن".

وفي مشهد يعكس عدم الرضا الفلسطيني على أداء السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس؛ احتج عدد من المصلين في المسجد القبلي داخل الأقصى على خطبة الجمعة في 21 أيار/ مايو 2021، التي ألقاها مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين؛ لأنها لم تشمل تحية للمقاومة في غزة، ولم تركز بالشكل المطلوب على إنجازات المقاومة أثناء تصديها للعدوان الإسرائيلي في أيار/ مايو 2021، وشملت إشادة برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. وأظهرت لقطات الفيديو حينها هتافات المصلين داخل المسجد ضد الشيخ حسين والسلطة.

وعلى الرغم من إعلان السلطة رفضها الشديد لموجة التطبيع العربي مع الاحتلال، ومطالبتها هذه الدول بالتراجع عن ذلك، وإعلان مسؤولين بارزين في السلطة أن التطبيع جزء من مشروع تدمير السلطة الفلسطينية، إلا أن معطيات من داخل السلطة كشفت أنها منذ أواخر عام 2020 توقفت عن انتقاد سلوك الدول المطبعة، وجاء هذا السكوت بطلبٍ مباشر من المملكة العربية السعودية. وكشفت مصادر السلطة أن تعليمات شفهية ومكتوبة وصلت من الرئاسة الفلسطينية إلى منظمة التحرير وحركة فتح ووزارة الخارجية بالامتناع عن نقد الدول المطبّعة، وبالفعل فقد امتنعت الرئاسة الفلسطينية والإعلام الرسمي ووزارة الخارجية عن التعقيب على إعلان المغرب، في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2020، التطبيع مع دولة الاحتلال.

واستمر تنسيق الأجهزة الأمنية الفلسطينية مع الاحتلال خلال عامي 2020 و2021، على الرغم من استمرار جرائم الاحتلال في المدينة المقدسة، والاقتحامات المستمرة للمسجد الأقصى، وعلى الرغم من قرارات المجلس المركزي الفلسطيني الداعية إلى إيقافه. وأعلن رئيس هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية حسين الشيخ في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، عودة العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي كما كانت، "على ضوء الاتصالات التي قام بها الرئيس محمود عباس بشأن التزام إسرائيل بالاتفاقيات الموقعة معنا، واستناداً إلى ما وردنا من رسائل رسمية مكتوبة وشفوية بما يؤكد التزام إسرائيل بذلك".

وبلغ التنسيق الأمني مراحل متقدمة خلال المدة التي يغطيها التقرير، وأعلنت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إحباط عمليات للمقاومة الفلسطينية خلال تلك المدة، والكشف عن خلايا للمقاومة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، بل أشارت مصادر عديدة إلى دور لأجهزة السلطة الأمنية في القبض على الأسرى المحررين من سجن جلبوع. وقال الناطق الرسمي باسم رئاسة السلطة الفلسطينية نبيل أبو ردينة إن "التنسيق الأمني مع إسرائيل نوع من السيادة الفلسطينية، والدفاع عن شعبنا".

أخيراً، تؤكد التطورات في المدينة المحتلة، أن تفاعل المقاومة مع الأقصى هو الأنجع والأكثر قرباً من نبض المقدسيين ومن حاجات المسجد وما يعانيه من مخططات تهويدية كثيرة، وهذا ما يوجب على السلطة الإيفاء بوعودها في قطع العلاقة مع الاحتلال، والسماح ببناء حالة شعبية في الضفة الغربية تساند المقدسيين، على غرار ما حدث إبان معركة "سيف القدس" واشتعال مئات نقاط المواجهة في مختلف مناطق الضفة الغربية المحتلة.
التعليقات (0)