قضايا وآراء

مصر في مواجهة رياح الديمقراطية الجنوبية والغربية

قطب العربي
1300x600
1300x600
تزداد سخونة الأحداث السياسية جنوبي مصر وغربيها، ففي الجنوب حيث تحل اليوم الذكرى السنوية الثانية للانتفاضة السودانية التي أطاحت بحكم عمر البشير، سيكون السودانيون على موعد مع موجة تظاهر واسعة إحياء للذكرى، ولمواصلة الرفض لانقلاب العسكر على شركائهم المدنيين في إدارة المرحلة الانتقالية. وفي الغرب يتواصل الحراك السياسي وحتى العسكري في ليبيا، بين التشبث بعقد الانتخابات الرئاسية في موعدها (24 كانون الأول/ ديسمبر)، أو تأجيلها. وفي الغرب أيضا يتصاعد الحراك السياسي في تونس ضد انقلاب قيس سعيد؛ الذي اضطر أخيرا لإعلان خارطة طريق تنتهي بانتخابات مبكرة في كانون الأول/ ديسمبر المقبل، رغم أنه كان حريصا على مواصلة الحكم المنفرد بلا سقف زمني.

في المقابل، تتزايد القبضة الأمنية في مصر في مواجهة أي حراك ديمقراطي، وفي الوقت نفسه يحاول النظام تقديم "مسكّنات شكلية" أمام الضغوط الدولية المتزايدة، والتي كان أحدثها صدور تقرير من الحكومة الهولندية باعتبار ما حدث في مصر 2013 انقلابا عسكريا؛ مع ما يترتب على ذلك من تيسير إجراءات اللجوء أمام الفارين منه، وانضمام بريطانيا لمجموعة الدول الإحدى والثلاثين المنددة بالانتهاكات الحقوقية في مصر، وتدخل ألمانيا في قضية معروضة أمام المحكمة، ناهيك عن عقد قمة الديمقراطية مؤخرا بدعوة من الرئيس الأمريكي بايدن، والتي سبقها اقتطاع 130 مليون دولار من المعونة الأمريكية لمصر بسبب تردي الوضع الحقوقي.
تتزايد القبضة الأمنية في مصر في مواجهة أي حراك ديمقراطي، وفي الوقت نفسه يحاول النظام تقديم "مسكّنات شكلية" أمام الضغوط الدولية المتزايدة

من تلك المسكنات الشكلية التي يقدمها النظام المصري؛ إعلان ما وصفه بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وتحديد عام 2022 كعام لحقوق الإنسان، وكذا الإفراج عن عدد محدود من المعتقلين المدنيين، مع الإبقاء على حوالي 60 ألف معتقل آخرين، ومواصلة حصار الإعلام والأحزاب والجمعيات الأهلية.

جنوبا، يشهد السودان منذ الخامس والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي (موعد انقلاب البرهان) حراكا شعبيا رافضا لذاك الانقلاب الذي اعتقل رئيس الحكومة وحل مجلس السيادة، وفرض الطوارئ. وقد أجبر ذلك الحراك المدعوم بتضامن دولي القادة العسكريين على إطلاق سراح رئيس الوزراء وإعادته إلى مكتبه، وكذا التراجع عن قرار حل مجلس السيادة، وإعلان خارطة طريق جديدة تشمل كتابة دستور جديد وإجراء انتخابات وفق جدول زمني محدد. هذا التراجع الذي يمثل نصف انتصار، ما كان له أن يحدث دون نضال شعبي حقيقي، وهذا النضال لا يزال مستمرا، غير قانع بما تحقق، وإذا نجحت القوى السياسية المدنية (من كل الاتجاهات) في توحيد جهودها فإنها ستكون قادرة على فرض كل مطالبها.

ولكن ما تحقق حتى الآن يمثل عبئا على النظام المصري، حيث سيشهد السودان في نهاية المرحلة الانتقالية أو قبل نهايتها انتخابات جديدة تحت إشراف دولي، وستتطاير رياحها شمالا بالتأكيد.

وفي ليبيا، يسابق الوسطاء السياسيون الزمن لإنقاذ الانتخابات الرئاسية المقرر لها الأسبوع المقبل. وكانت الجهود الدولية منصبة على إجراء تلك الانتخابات بأي شكل كمخرج من الأزمة الحالية، لكن كان من العبث السياسي إجراء تلك الانتخابات بدون قاعدة دستورية تحدد مهام الرئيس وحدود صلاحياته، والعلاقة بينه وبين غيره من مؤسسات الدولة، وشكل النظام السياسي عموما، وهل سيكون رئاسيا أم برلمانيا أم مختلطا. وتم "سلق" قانون عاجل للانتخابات في مكتب رئيس البرلمان ولم يعرض على النواب لمناقشته.

وقد تصدت لهذا العبث السياسي قوى ورموز سياسية في الغرب الليبي، ويبدو أنها نجحت في حراكها، حيث أصبح في حكم المؤكد تأجيل الانتخابات رغم الجولات المكوكية للسفيرة ستيفاني ويليامز، الممثلة الخاصة للأمم المتحدة، بين الفرقاء الليبيين، ورغم أن نظام السيسي سعى بشدة لإتمامها في موعدها على أمل فوز حليفه خليفة حفتر.

كنت شخصيا أشفق على رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري؛ الذي كان أول من صدح بمعارضته لتلك الانتخابات دون وجود قاعدة دستورية، في وقت تصاعدت التهديدات الأمريكية والدولية بفرض عقوبات على من يعطل الانتخابات، وكنت أتوقع أن يكون خالد المشري أول من تطبق عليه ليكون بمثابة رأس الذئب الطائر، لكنه صمد، ولم يعد وحده بل كان معه أعضاء مجلس الدولة، والمفتي الصادق الغرياني والعديد من القادة العسكريين والنشطاء السياسيين، بحيث أصبح هناك تيار قوي نجح في فرض وجهة نظره. وحين يتم التوافق على موعد جديد للانتخابات بعد التوافق على قاعدة دستورية لها فإن هذا سيعد مكسبا ديمقراطيا بالتأكيد، وسيمثل رياحا ديمقراطية غربية تهب على مصر أيضا بطريقة أو بأخرى.

في تونس، وبعد أن أعلن رئيسها قيس سعيد انقلابه الدستوري يوم 25 تموز/ يوليو، ظن أنه قادر على فرض وصايته على الشعب التونسي وقواه السياسية لأجل مفتوح، لكنه اضطر أخيرا بفعل الضغط الشعبي المتصاعد إلى إعلان خارطة طريق تتضمن استفتاء على تعديلات دستورية تعقبها انتخابات مبكرة بنهاية العام الجديد.
رغم توقف الحراك في الشارع المصري خشية العصا الأمنية الغليظة، إلا أن النظام المصري يواجه هذه الرياح الديمقراطية الجنوبية والغربية التي لا تستأذن في الدخول

لم يكن قيس يرغب في الوصول إلى انتخابات جديدة بالتأكيد، لكن تصاعد الحراك الشعبي أجبره على ذلك. ولم يتوقف هذا الحراك المناهض للانقلاب والذي يسعى لإغلاق "قوس الانقلاب" في أقرب وقت، ولا يريد الانتظار للموعد الذي ضربه قيس سعيد. ورغم أن قوات الأمن فضت الاعتصام الذي أعقب مظاهرات يوم الجمعة الماضي، إلا أن ذلك لن يكون نهاية المطاف، حيث تتسع رقعة الرفض للانقلاب بانضمام أحزاب وقوى سياسية كانت داعمة له في بداياته، وأدركت مخاطره مع مرور الوقت، كما أن الاتحاد التونسي للشغل الذي يخوض الآن جولات حوار مع الحكومة قد يلحق عمليا بهذا الحراك حين يصل إلى طريق مسدود في هذه الجولات، وهو أمر متوقع، وبالتالي يكتسب الحراك زخما إضافيا قويا لن يكون بمقدور قيس سعيد مواجهته، وهنا مرة أخرى فتلك رياح ديمقراطية غربية تهب على مصر أيضا.

رغم توقف الحراك في الشارع المصري خشية العصا الأمنية الغليظة، إلا أن النظام المصري يواجه هذه الرياح الديمقراطية الجنوبية والغربية التي لا تستأذن في الدخول، ولعلنا لم ننس بعد أن رياح الثورة هبت من تونس، ورغم أن النظام بأذرعه الإعلامية والسياسية ظل يردد أن مصر ليست تونس، إلا أن الشبان المصريين ملأتهم الغيرة من نظرائهم التوانسة الذين نجحوا في الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي وأجبروه على الفرار، كما وصلت رياح التغيير إلى العديد من البلدان العربية، والتي تفاوتت في حجم التعرض لتلك الرياح.. هذه سنن كونية لا مجال لصدها لأنها غلاّبة.

twitter.com/kotbelaraby
التعليقات (0)