قضايا وآراء

عن الموت بكورنا في عالمنا العربي

1300x600
هي جائحة لا تفرق بين بلد غني وفقير في حصد الأرواح، وتعطيل عجلة الحياة، والتفشي السريع، إلا أن هناك فرقا في تعامل الحكومات بين الشرق والغرب. ولا أريد أن أبدو هنا مدافعا عن الغرب، لكن ثمة مفارقات أساسية لا يمكن إلا وأن يلجأ لها المراقب في سعيه للنقد البناء مما يسهم في إصلاح شأن عالمنا العربي.

وحيث يتصدر للجائحة في الغرب أطباء وفرق علمية، يتصدرها في الدول العربية السياسيون والعساكر ورجال الأمن، وزمرة من المهرجين يفتون صباح مساء في المؤامرة الكونية ودور بيل غيتس في صناعة الشرائح.
صانع القرار في العالم العربي قد استبعد الأطباء والخبراء مبكرا، وأعلن الطوارئ ليضع كل السلطات في يديه، ويكلف الجيش ورجال الأمن بإعلان النفير العام في مواجهة كورونا

صحيح أن السياسي في الغرب هو الذي يقود في المحصلة ويصنع القرار، لكنه محاط بفريق علمي له اليد العليا في القرارات المتعلقة بإدارة التعامل مع الجائحة، كما أنه محكوم بقاعدة انتخابية، ومؤسسات متعددة تراقبه، فيما السياسي وصانع القرار في العالم العربي قد استبعد الأطباء والخبراء مبكرا، وأعلن الطوارئ ليضع كل السلطات في يديه، ويكلف الجيش ورجال الأمن بإعلان النفير العام في مواجهة كورونا، وكأن كورونا المستجد هو معارض متمرد ستنتهي الجائحة عقب إلقاء القبض عليه وعلى عشيرته أجمعين.

سقط الآلاف في الغرب كما سقط في الشرق، لكن استعراض التجربتين اليوم يمكننا من استخلاص العبر. ففي بريطانيا على سبيل المثال ارتبكت الحكومة في البداية، لكن سرعان ما استطاعت مؤسسات الدولة امتصاص الصدمة وتكوين استراتيجية في التعامل معها، بدءا من توفير مظلة الرعاية والدعم الاجتماعي والمالي، وكذلك عدم التسرع في تطبيق إغلاقات مفاجئة ومربكة، كما حصل في دول عربية أعلنت الحظر الشامل ومنع التجوال.

وهناك فرق حقيقة بين ما يسمى في الغرب "lockdown" أي الإغلاق، وبين "حظر التجوال" الذي طبق في بعض الدول العربية منذ اليوم الأول للجائحة.
في الفرق بين الإغلاق وحظر التجول، تسبب الحظر في كثير من الدول العربية التي طبقته مبكرا في حالة من "الفزعة" غير المدروسة؛ في أزمات عمّقت من المشكلة ولم تحلها

ففي الإغلاق في الحالة البريطانية كان هناك إغلاق للمحال والأشغال غير الضرورية، لكن لم تمنع الحكومة الناس من الخروج من أجل العمل والأمور الأساسية الحياتية، كما بقيت المحلات والمتاجر الأساسية تعمل حتى لا تتوقف دورة الحياة، جنبا إلى جنب مع الطلب من الناس البقاء في البيت، لكن وفرت الدولة في المقابل لمن بقي في بيته دعما ماليا ليتمكن من العيش، فيما طلبت دول عربية من مواطنيها البقاء في البيت دون توفير حد أدنى للعيش حتى الخبز. إذا هل الرسالة أن تلك الحكومات قلقة على مواطنيها من كورونا لكنها لا تمانع في موتهم جوعا؟

وفي الفرق بين الإغلاق وحظر التجول، تسبب الحظر في كثير من الدول العربية التي طبقته مبكرا في حالة من "الفزعة" غير المدروسة؛ في أزمات عمّقت من المشكلة ولم تحلها، أولها ارتباك في كيفية خروج المواطن لشراء حاجاته الأساسية، كما لم تُجب الحكومات تلك عن كيف يمكن للمواطن المقهور والفقير قبل كورونا وفي زمنها وعمال المياومة؛ أن يتحصلوا على دخل إذا لم يعملوا؟ كما أن الحظر المفاجئ والفتح المفاجئ جعل الناس يتكدسون لشراء حاجياتهم، فتحولت المتاجر الأساسية جراء التكدس لبؤرة لنقل الوباء.
أزمة المواطن العربي مع حكوماته لم تبدأ في زمن كورونا، وإنما هي أعقد من ذلك، هي أزمة حريات، أزمة نظم عسكرية انقضت في غفلة من الزمن على الحكم

سيقول الكثيرون: لا وجه للمقارنة بين دول العالم الثالث وأوروبا، صحيح، لكن الواقع يقول لنا إنه لا سبيل نحو النهوض ما لم يتم التعلم من الغرب، ليس إعجابا به، لكن باختصار لأنه في اللحظة الراهنة متقدم علميا وتقنيا. كما أن أزمة المواطن العربي مع حكوماته لم تبدأ في زمن كورونا، وإنما هي أعقد من ذلك، هي أزمة حريات، أزمة نظم عسكرية انقضت في غفلة من الزمن على الحكم عبر انقلابات أو جرائم أو إكراه للشعوب وتخويف لها، هي أزمة حكام لم يتحصلوا على أي شهادة علمية ويتربعون منذ عقود على سدة الحكم في دول يهجرها علماؤها وشبابها بحثا عن فرص في الغرب الذي يسميه البعض "الملحد الكافر"، هي أزمة هروب جماعي وموت غرقا في البحار وجوعا في المخيمات، فمن المؤمن ومن الملحد، ومن المسلم ومن الكافر؟

أخيرا، رغم أنى إعلامي إلا أني أدعو لضبط الخطاب الإعلامي وتشريع اعتقال زمرة من المهرجين ممن يتلاعبون بحياة الناس؛ عبر التشكيك في اللقاحات وحث الناس على عدم أخذها أو عدم لبس الكمامات، وعدم تصديق أن كورونا هو فيروس أصلا، وإنما مؤامرة كونية.. سجن كل هؤلاء مؤقتا والتصدي لشعوذتهم هو جزء من إجراءات لازمة لمكافحة الوباء.