قضايا وآراء

جرائم سيناء ومحاكم التفتيش.. المخرج واحد

1300x600
دأب القوم على التفاخر بما أزهقوه من أرواح على مدار سنوات، حتى أفقدتهم سكرة القوة صوابهم؛ فعمدوا إلى الترويج لأعمال القتل خارج إطار القانون بفيديو يظهر إعدامات دون أمر قضائي نفذت على يد أفراد من الجيش في شمال سيناء، وهو ما أدانته منظمة العفو الدولية، بعد نشر الفيديو على صفحة المتحدث العسكري للقوات المسلحة، والذي يأتي في إطار الدعاية للعمليات العسكرية المتواصلة في سيناء.

هذه العمليات المستمرة منذ عام 2018 بداعي محاربة الإرهاب، حولت سيناء من أرض الفيروز إلى أرض الأطلال والأشباح، بعد نسف المنازل والمدارس بالمتفجرات، وتجريف الأراضي، واقتلاع أشجار الزيتون، وإجبار السكان على الفرار، واعتقال من بقي منهم. ولم تفلح تلك السنوات وما سبقها في نزع فتيل التطرف، أو حماية الجنود من الهجمات، بل يزداد الأمر سوءا مع مرور الوقت.

شبه جزيرة سيناء، التي تعادل ستة في المائة من مساحة مصر، باتت خارج التغطية تماما، بعد الحصار الذي فرضه العسكر عليها؛ فلا مجال لكاميرا تصور ما يجري على أرضها من أحداث، ولا إمكانية لكتابة سطر واحد يغاير ما يصدر عن المؤسسة العسكرية من تصريحات، وإذا حدث ذلك ولو على حساب شخصي بوسائل التواصل الاجتماعي، يتعرض صاحبه لعقوبة السجن لمدة قد تزيد عن عشر سنوات؛ لتصبح بيانات المتحدث العسكري المصدر الأوحد للمعلومة، إضافة إلى ما يصوره الجنود من هواتفهم المحمولة، والتي تجري معالجتها في كثير من الأحيان، بعد وضع الرتوش المطلوبة لتطابق الرواية الرسمية.
في الوقت الذي تجرّم فيه السلطات التصوير في سيناء، لتجعلها منطقة محرمة على المنظمات الحقوقية، والصحفيين، ووكالات الأنباء، والمراسلين المستقلين، نرى عشرات الكاميرات تنقل شهادة لأحد الدعاة حول قضية ما، في موضع لا يفترض فيه التصوير أصلا

وفي الوقت الذي تجرّم فيه السلطات التصوير في سيناء، لتجعلها منطقة محرمة على المنظمات الحقوقية، والصحفيين، ووكالات الأنباء، والمراسلين المستقلين، نرى عشرات الكاميرات تنقل شهادة لأحد الدعاة حول قضية ما، في موضع لا يفترض فيه التصوير أصلا؛ لتتحول قاعة المحكمة إلى ما يشبه الأستديو، الذي لا ينقصه سوى صوت المخرج أو حامل الكلاكيت هاتفا بصوته الجهوري "آكشن".

تحولت منصة العدالة إلى ما يشبه محاكم التفتيش، تحولت مادتها من الأحداث والمعلومات لتصل إلى البحث داخل الضمائر، ويصبح الشاهد في موقف لا يحسد عليه، محاولا إمساك العصا من المنتصف قدر الإمكان، أو الميل قليلا ناحية ما يطلبه المخرج، ويزداد الميل كلما زاد الضغط، ككفة ميزان تأخذ طريقها نحو القاع كلما زادت الأثقال الحديدية الموضوعة عليها.

وطلبات المخرج التي عبر عنها استجواب القاضي، كانت واضحة تماما؛ فالأسئلة التي وجهت إلى الشيخ حسين يعقوب ثم إلى الشيخ محمد حسان، لم تكن تهدف إلى الوصول لحقيقة ما، أو إزالة الإبهام عن أمر ما - وهذا هو الأصل في عمل المحاكم - وكان الهدف الأساس يتمثل في تشويه التيار الإسلامي في عمومه، وشيطنة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص.
لا فرق كبيرا إذا بين من يصدر أوامر بالقتل المباشر من المسافة صفر لمجرد الاشتباه في سيناء، ومن يجلس على منصة القضاء يفتش في الضمائر، ويتلاعب بالألفاظ، ويقلب الأسئلة مرارا وتكرارا؛ لاستباحة دماء المعتقلين

وانطلاقا من هذه الحقيقة المؤكدة، ندرك وظيفة الكاميرا في دولة الأمر الواقع؛ فلا مجال للحديث عن إعلام أو تثقيف أو نقل للحقيقة، وغاية ما يريده هؤلاء هو إيصال الرواية الرسمية الممهورة بتوقيع الجنرالات والمحتومة بختم النسر، ولا يمكن لأحد مهما بلغ شأنه أن يحيد عن تلك الرواية بأي حال من الأحوال.

لا فرق كبيرا إذا بين من يصدر أوامر بالقتل المباشر من المسافة صفر لمجرد الاشتباه في سيناء، ومن يجلس على منصة القضاء يفتش في الضمائر، ويتلاعب بالألفاظ، ويقلب الأسئلة مرارا وتكرارا؛ لاستباحة دماء المعتقلين والإجهاز عليهم إرضاء للمخرج، الذي يوزع الأدوار على الممثلين بسيناء والقاهرة، وإن اختلفت المشاهد وتباين الأداء وفقا لموقع التصوير.

ولا فرق بين حامل الكاميرا الذي يصور مشاهد القتل بعد وضع السلاح بجوار جثث الضحايا، ليوحي للمشاهد بتورطهم في أعمال العنف، وبين من يتجول داخل أروقة المحاكم لينقل الزيف والبهتان، ويسهم في خلط الأمور وتزييف الحقائق، ويصور البريء على أنه مدان، حتى أصبحت الكاميرا وبالا على حامليها والمحمول مادتها إليهم.
كثيرة هي أوجه الشبه بين ما يجري في سيناء وما يحدث داخل أروقة المحاكم، ويظل غياب العدل هو العامل المشترك الأبرز بينهما؛ فأحكام القضاء الجائرة وتبعيته الكاملة للسلطة التنفيذية جعلت منه أداة في يد النظام للانتقام

كثيرة هي أوجه الشبه بين ما يجري في سيناء وما يحدث داخل أروقة المحاكم، ويظل غياب العدل هو العامل المشترك الأبرز بينهما؛ فأحكام القضاء الجائرة وتبعيته الكاملة للسلطة التنفيذية جعلت منه أداة في يد النظام للانتقام من الخصوم السياسيين، وأفقدت المواطن الثقة في ما يصدر عنه. وعمليات الجيش أسفرت عن تآكل لمدن سيناء ومسح بعضها من الخارطة، وانهيار شبه كامل للاقتصاد، ولم توقف سياسة الأرض المحروقة نزيف الدماء بل زادته، بعد تضاعف أعداد طالبي الثأر، الذين راحت عائلاتهم ضحايا لتلك العمليات.

الحل الناجع إذا لجميع مشكلاتنا الأمنية يكمن في استقلال القضاء وإقامة العدل؛ الذي يضمن ولاء أبناء سيناء ويشعرهم بأنهم جزء أصيل من نسيج مصر، ولن تحقق القوة الغاشمة سوى المزيد من إراقة الدماء، كما أن الخلط بين ما هو سياسي وجنائي، وما هو مدني وعسكري لن يحقق الأمن للنظام أو المواطن، ويتعين على العقلاء التحرك لإيقاف هذا العبث حتى لا يتسع الخرق على الراتق.