قضايا وآراء

إدارة الفشل في الدولة العميقة.. من الإعدامات إلى رغيف الخبز

1300x600
تتسابق الدول القمعية ضمن مشهد ماراثوني في إدارة الفشل المتراكم في إدارة ملفات الاقتصاد والسياسة والأمن والقانون، فعند إلقاء نظرة بانورامية على الأوضاع في الدول العربية ذات النظم القمعية منها، يظهر لنا مقدار التكلسات في مرافق الدولة، في ما يتعلق بإدارة ملفات الفساد والإهمال وحفظ حقوق وكرامة المواطنين.

في سياق حرب النظم العربية الفاشلة على الحقوق والحريات لشعوبها والمقيمين فيها، أصدر القضاء السعودي قراراً بسجن ٢٤ مواطنا فلسطينيا لمدد متفاوتة، وتبع ذلك القرار حالة من الاستياء الشعبي الفلسطيني، والتنديد الواسع من قبل شبكات ومنظمات حقوق الإنسان بالمحاكمة الشكلية التي لم تتحلّ بأدنى معايير العدالة، ضمن القضية الموجهة ضد ٦٩ موقوفاً أردنياً وفلسطينياً بتهمة دعم حركة المقاومة الإسلامية حماس وتحويل أموال لأيتام وفقراء في فلسطين المحتلة.

أتت تلك المحاكمة في سياق حرب دول الثورات المضادة على الحركات السياسية الإسلامية في الوطن العربي، وضمن سياق خطة القرن التصفوية التي لقيت ترحيباً في دول الثورات المضادة، بالذات أن المعتقلين مقيمون بشكل شرعي وقانوني في أرض المملكة، ولم يتم تسجيل أي مخالفة قانونية ضدهم، أو أي خرق للقانون السعودي الصريح، إلا أن اعتقالهم في شباط / فبراير ٢٠١٩ أتى ضمن حالة "الإخوانوفوبيا" التي تعيشها النظم القمعية العربية، وقدمتهم السلطات السعودية لمحاكمة جماعية صورية، وأصدرت بحقهم أحكاماً تعسفية تراوحت بين السجن لمدة ستة أشهر إلى ٢٢ عاماً.

المملكة السعودية التي أقفلت أبوابها أمام الهجرات العربية عند اشتداد الحرب في سوريا، فكانت سواحل العواصم الأوروبية أقرب لهم من أبواب مكة والرياض، تنتهك حقوق المقيمين على أراضيها من فلسطينيين يحمل بعضهم جنسيات أردنية دون مراعاة لأعمارهم ولا لأوضاعهم الصحية، في قضية تبدو كمزحة سمجة مثلها مثل باقي القضايا التي أوقفت على خلفيتها نشطاء سعوديين، في حربها المعلنة على الحقوق والحريات وتصفية الأصوات التي تتحالف مع الشعوب ضد الاحتلال والقمع ومصادرة الرأي.

تلك المحاكمة السعودية التي تشبه إلى حد التطابق المحاكمات الصورية التي حاكم بها نظام السيسي معارضيه وأصدر عليهم أحكاماً بالإعدام خلال هذا العام؛ ليست هي آخر حروب النظم القمعية العربية على شعوبها والمقيمين فيها من معارضي الاستبداد والاحتلال، فمن معاقبة المواطنين أصحاب الرأي المعارض بحبل المشنقة والاعتقالات السياسية، إلى التلاعب برغيف الخبر الذي يقوم عليه معيشة المواطنين المصريين، في ظل تدني مستويات المعيشة وتفشي الفقر. فقد توعد الرئيس السيسي برفع سعر رغيف الخبز الذي جرى قبل شهور تخفيض وزنه من ١١٠ غرامات إلى ٩٠ غراما.

أتى وعيد السيسي برفع سعر رغيف الخبز، انضماماً إلى حرب الديكتاتوريات التي تدير الفشل في المحيط العربي القمعي على معيشة المواطنين.

ففي سوريا تم الإعلان في شهر تموز/ يوليو ٢٠٢١ من قبل وزارة الداخلية وحماية المستهلك عن مضاعفة سعر ربطة الخبز، ليصبح ٢٠٠ ليرة سورية بدلاً عن ١٠٠. وترافق هذا مع إعلان وزارة الاقتصاد والتجارة في لبنان عن الخفض السادس لوزن ربطة الخبز، والارتفاع الثالث في سعرها الذي بلغ ٤٢٥٠ ليرة لبنانية.

يخطو النظام اللبناني الداخلي خطواته نحو الفشل في صيانة حقوق المواطنين، ويعمق ذلك بالفشل الداخلي في توفير الكهرباء والأدوية والمحروقات، ضمن مشهد يعيد إنتاج نفس الوجوه السياسية التي جلبت الكوارث على لبنان، والتي لم يكن آخرها جريمة مرفأ بيروت التي مرت الذكرى الأولى عليها منذ أيام، دون أي تقدم في نتائج التحقيقات المحلية أو الدولية.

وهذا بحد ذاته يقول كل ما يدور في أروقة المجتمع الدولي عن تفاوت قيمة الأرواح في الجرائم التي تحصل في الدول، ويعمق من الانحياز الدولي تجاه تحقيق العدالة لبعض الملفات، وتجاهل أو إبطاء العمل على بعضها، أيضا يشكل انعكاسا لاستخفاف النظم القمعية العربية بقيمة حياة وأرواح مواطنيها، مما ترتب عليه بطء سير التحقيقات الدولية حيال تلك الجرائم.

لا يمكن للمجتمع الدولي والمنظمات الدولية أن تقيم وزناً مختلفاً لحقوق وقيمة أرواح المواطنين في الدول العربية، طالما تسعى النظم القمعية والشمولية في ما تقوم فيه من أجل إضعاف قدرة الشعوب على تحصيل أبسط حقوقها في معاشها اليومي.

ولا يمكن للعدالة أن تجد طريقها للضحايا العرب، في حين تضخ الدول القمعية مقدراتها ومواردها في عروق سرطان دولة الاحتلال، التي تتحالف معها تلك النظم القمعية، بالذات دول الثورات المضادة التي تسخر موارد شعوبها من أجل إعاقة نمو أي بذور لنظم ديمقراطية في محيطها العربي، وصولاً إلى الحال لدى السلطة الفلسطينية الذي لم يعد يختلف عن نظيراتها من أنظمة القمع العربي، بعد سلسلة الإجراءات التي اتخذتها مؤسسات السلطة الأمنية من أجل التغطية على جريمة اغتيال الناشط السياسي نزار بنات من قبل الأجهزة الأمنية، حيث مر على تلك الجريمة ما يزيد على ٤٠ يوما ولم تظهر أي نتائج للتحقيقات الأولية، في حين راحت أجهزة أمن السلطة تشن حملة اعتداءات وحشية على المواطنين الغاضبين، أعقبها عدم تدخل أجهزة أمن السلطة في حادثة مقتل مواطن في الخليل على خلفية ثأر عشائري، حيث أطلقت السلطة يد السلاح الداخلي وانتشرت الفوضى لأكثر من أسبوع في المدينة، من أجل صرف الأنظار عن مقتل الناشط السياسي.

لم تتوقف السلطة الفلسطينية في حربها أيضاً على الشعب الفلسطيني الغاضب عند إرخاء حبل الفوضى في الخليل، وإنما أتبعت ذلك بأغرب منحنى للتحصيل في امتحان الثانوية العامة، حيث أغرقت الطلاب الفلسطينيين بتضخم العلامات التي لم يعكس توزيعها أي منطق معقول، وترافق تضخم العلامات في الثانوية العامة مع تضخم في أعداد المعتقلين على خلفية الرأي في معتقلات الأجهزة الأمنية، مما عكس حالة من التخبط في الجهاز التعليمي، وعدم وجود خطة تعليمية تنقذ جيل كامل من التجهيل في ظل أزمة الوباء.

بين إدارة فشل الملفات في ما يتعلق بالأمن والمعيشة والتعليم والحقوق والحريات والحفاظ على سيادة الدولة، ومقدرات الشعوب، تتخبط النظم العربية القمعية، وتعكس قراراتها على مستويات الأمن، والمعيشة، وإدارة الملفات الداخلية، تلاعبها بمقدرات الشعوب ومصائرهم ضمن خطوات تعد بمثابة إطلاق الرصاص على القدم، وتحاملها على المواطنين من الطبقة الفقيرة الذين لا يملكون خيارات متعددة، حيث تمادت في نهب جيوبهم وتحميلهم أعباء معيشية مضاعفة.

وهذا أمر شائع في الأنظمة القمعية عبر التاريخ، حين اعتمدت تلك النظم التلاعب برغيف الخبز كورقة إسناد لها، في حين شكل ذلك التلاعب شرارة انطلاق الثورات، كما حصل في الثورة الفرنسية. فليس بالخبز وحده يحيا المواطن العربي الذي ثار في العقد المنصرم من أجل ضمان الحريات وحفظ كرامة المواطنين، بعد أن تفننت الأنظمة القائمة في الاستخفاف بحياتهم وأرواحهم وأركان معيشتهم، في سبيل صرفهم عن المطالبة بحقوقهم وحرياتهم، فمن الحروب القضائية الصورية تجاه مواطنين أبرياء وصولاً إلى حرب رغيف الخبز.

لا بد من تشكيل رأي عام رافض لأحكام الإعدام ضد المعارضين التي أصدرها النظام المصري هذا العام، كما لا بد من تشكيل رأي عام داخل شعوب دول الثورات المضادة التي تكرس النظم فيها موارد وأموال تلك الشعوب في حربها على نواة النظم الديمقراطية العربية، كذلك الأمر بالنسبة لضمان العدالة للمعتقلين السياسيين، وضحايا الاعتقال التعسفي من نشطاء سياسيين وحقوقيين ومقاومين للاحتلال. فلا يمكن لأي جهة دولية أن تحقق العدالة الغائبة للمعتقلين السياسيين ولضحايا جرائم الفساد في أجهزة الدول القمعية العميقة؛ إن لم تمنح الشعوب العربية لنفسها الوزن والقيمة في مواجهة الاستخفاف بها من قبل الدولة القمعية العميقة.