بورتريه

شهداء 1948 أعادوا رسم خارطة الدم بـ"انتفاضة الأقصى" (بورتريه)

شهداء-1948

نثروا دمهم على طرقات أم الفحم وكفركنا، وجابوا شوارع المدن والقرى في فلسطين المحتلة عام 1948 وهم يحملون أرواحهم على أكفهم.


كانوا عنوانا لوحدة الدم الفلسطيني، وكانت ثوراتهم وانتفاضاتهم ترمز دائما إلى وحدة الأرض الفلسطينية المقسمة والمجزأة إلى جزر وأحياء تفصل بينها الكراهية والأسوار والحواجز العسكرية والمستوطنات التي حولت كل مكان وصلت إليه بؤرا للتوتر والمواجهات والموت.


في عام 1976 كانوا رمزا للتمسك بالأرض فوحدوا فلسطين على نحو نادر وخلدوا انتفاضتهم في يوم دخل تاريخ فلسطين بوصفه "يوم الأرض"، وفي "الانتفاضة الأولى" عام 1987 وفي "الانتفاضة الثانية /الأقصى"، وفي الانتفاضة التي نتجت عن أحداث حي الشيخ جراح بالقدس والمقاومة في غزة "سيف القدس"، أعادوا توصيف فلسطين وتوحيد جغرافيتها ورسم خطوط الدم من جديد.


في "الانتفاضة الثانية/ الأقصى" التي تطرق باب التاريخ هذه الأيام، وتعيد "نبش" الذاكرة الفلسطينية، وتحفر ذكرى الشهادة والبطولة في صخر المعاناة والتحدي، كانوا حاضرين وجزءا من المرثاة والتغريبة الفلسطينية.


تلك الانتفاضة التي اندلعت عام 2000 وتوقفت فعليا عام 2005 بعد اتفاق الهدنة الذي عقد في قمة شرم الشيخ والذي جمع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) الذي حل مكان ياسر عرفات (أبو عمار) بعد وفاته الغامضة ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون.


صبغت هذه الانتفاضة بأنها الأكثر تهديدا لدولة الاحتلال وتميزت مقارنة بـ"الانتفاضة الأولى" التي عرفت بـ"انتفاضة الحجارة" بكثرة المواجهات المسلحة وتصاعد وتيرة الأعمال العسكرية بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، وراح ضحيتها نحو 4412 شهيدا فلسطينيا و48 ألف جريح.

 

اقرأ أيضا: "فلسطينيو 48" يسقطون مؤامرة "الأسرلة" (بورتريه)

وأما الخسائر الإسرائيلية فبلغت 1069 قتيلا و4500 جريح وعطب عدة دبابات من نوع "ميركافا" وتدمير عدد من السيارات العسكرية والمدرعات الإسرائيلية.


كانت شرارة اندلاعها دخول زعيم المعارضة وقتها أرئيل شارون باحة المسجد الأقصى برفقة حراسه، الأمر الذي دفع جموع المصلين إلى التجمهر ومحاولة التصدي له، وجاء اقتحام شارون بعد أسابيع قليلة، على فشل "قمة كامب ديفيد"، التي أشرف عليها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في محاولة "لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي".


رفض شارون الاستماع للتحذيرات الفلسطينية، وأصر على اقتحام ثالث أقدس مكان للمسلمين يوم 28 أيلول/ سبتمبر عام 2000.


وانتشر في المشهد مئات الجنود والشرطة الإسرائيلية في المسجد الأقصى، لتأمين الاقتحام، لكن مشاعر المصلين لم تحتمل المشهد، فاستخدموا كل إمكانياتهم لإفشال الاقتحام، وانهالوا بالأحذية على رؤوس المقتحمين عند باب المصلى القبلي من المسجد، وأُصيب في ذلك اليوم العشرات من الفلسطينيين وجنود الاحتلال.


في اليوم التالي، اشتدت المواجهات داخل المسجد الأقصى، فاستشهد خمسة مصلين، وأُصيب عشرات آخرون بجراح، وفي اليوم الثالث، انتقلت المواجهات إلى الضفة الغربية، فاستشهد ستة فلسطينيين في عدة محافظات.


وفي اليوم الرابع من المواجهات، وصل الغضب الفلسطيني ذروته، إذ وثق صحفي فرنسي عملية إعدام جنود الاحتلال للطفل محمد الدرة (11 عاما) في شارع صلاح الدين بغزة وهو برفقة والده.


وفي ذات اليوم، الأول من تشرين أول/أكتوبر امتدت المواجهات إلى داخل أراضي عام 1948، إذ نفذ الفلسطينيون إضرابا شاملا وقاموا بالاحتجاج والاشتباك مع وحدات الشرطة الإسرائيلية التي اعتقلت عددا من المشاركين وقتلت عمر أحمد جبارين (21 عاما) قرب أم الفحم، ليكون شهيد الانتفاضة الأول من أراضي 48، وأصابت عشرات المتظاهرين بالرصاص الحي وبالطلقات المطاطية.


وبعدها بعدة أيام، استشهد 13 مواطنا من داخل أراضي عام 48 خلال مواجهات مع الشرطة الإسرائيلية في عدد من البلدات والمدن الفلسطينية، في أوسع مشاركة للفلسطينيين بالداخل في التصدي للاحتلال.

 

اقرأ أيضا: "الشيخ جراح" مقطوعة من الجمال خارج المألوف (بورتريه)

ومنذ ذلك الحين اشتدت مظاهر الخطاب التحريضي ومضامين الكراهية، وتحول الفلسطينيون في أراضي 1948 بنظر الساسة والإعلام الإسرائيلي إلى "طابور خامس" ينبغي عزله وحرمانه من أية حقوق.
ورغم الأدلة القاطعة على مسؤولية الشرطة واستنتاجات لجنة التحقيق الرسمية، لم يتم تقديم لوائح اتهام ضد أي منهم.


فقد قام الاحتلال بتشكيل لجنة تحقيق رسمية عرفت باسم "لجنة أور" برئاسة قاضي المحكمة العليا الإسرائيلية ثيودور أور، التي أقرت بأن الشرطة استخدمت "القوة المفرطة" خلال الأحداث، بما يخالف تعليمات إطلاق النار. مع ذلك، لم يفتح أي ملف تحقيق جنائي ضد أي من أفراد الشرطة المتورطين بالقتل، وأُغلقت القضية.


وفي عام 2005، وبعد مرور نحو خمس سنوات على أحداث عام 2000، نشرت وحدة التحقيق مع الشرطة (ماحاش) تقريرا نص على أنه لا مجال لتقديم لائحة اتهام في أي من حوادث قتل 13 فلسطينيا التي نفذها أفراد الشرطة وهو ما اعتبر تناقضا مع استنتاجات وتوصيات "لجنة أور".

 

وفي عام 2008 تبنى المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية توصيات "ماحاش" وأغلق الملفات.


وفضلا عن عمليات القتل والتدمير، شهدت "انتفاضة الأقصى" حدثين بارزين هما: محاصرة مقر الرئيس الفلسطيني "أبو عمار" بمدينة رام الله، وكنيسة المهد بمدينة بيت لحم. وعلى وقع الانتفاضة مات "أبو عمار" عام 2004 في مستشفى عسكري في ضواحي باريس، إثر تدهور سريع في صحته لم تتضح خلفياته حتى الآن.


كما اتسمت الانتفاضة باغتيال الاحتلال العديد من القادة الفلسطينيين البارزين، على رأسهم مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ أحمد ياسين، والقيادي بالحركة عبد العزيز الرنتيسي، إضافة إلى أمين عام الجبهة الشعبية أبو علي مصطفى، وقائد الجناح المسلح لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) رائد الكرمي.


وفي ذات العام بدأت سلطات الاحتلال في إقامة الجدار العازل بطول نحو 728 كيلومترا، ليلتهم نحو 23% من أراضي الضفة الغربية. ويفصل 36 قرية و"72000" مواطن عن أراضيهم الزراعية، ويقسم الضفة الغربية إلى كنتونات منفصلة.


ورغم أن "الانتفاضة الأولى/الحجارة" التي انطلقت عام 1987 في غزة قادت إلى سلسلة "اتفاقات السلام" التي بدأت في أوسلو وانتهت عام 1993 بتوقيع اتفاق المبادئ. فقد أعلنت "انتفاضة الأقصى" عن دفن "عملية السلام" وإظهار الرفض الشعبي الفلسطيني لها ورفض الجانب الإسرائيلي الاعتراف بأية حقوق للفلسطينيين على أرضهم.


ولوحظ لأول مرة ارتفاع حدة الخطاب الرسمي الفلسطيني والذي برز في تصريحات الرئيس الراحل "أبو عمار" خصوصا في لحظات تأبين الشهداء فكان يدعو إلى مواصلة الكفاح المسلح وتحمل التضحيات لنيل الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني، لكن هذا الخطاب المقاوم دفن أيضا مع تولي "أبو مازن" السلطة.


ورغم الخسائر والدمار الذي لحق بالمدن وفي مقدمتها مخيم جنين، فقد نجحت "انتفاضة الأقصى" في توحيد الفلسطينيين تحت عنوان الأقصى، وإعادة الوعي الجمعي العربي للقضية الفلسطينية، وإعادة المقاتل الفلسطيني إلى خندق المواجهة، وأحيت الأمل بأن دحر الاحتلال ممكن.


لقد نظر الفلسطينيون في أراضي 48 إلى أنفسهم على الدوام بوصفهم جزءا لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني رغم السياسات والوسائل التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لإضعاف وتفتيت هذا الانتماء الذي لم يتزعزع يوما وانزوى قليلا على مر السنين.


وحين شيع الفلسطينيون في أراضي 1948 جنازات الشهداء الذين ارتقوا برصاص شرطة وجنود حكومة يهودا باراك، وانفتحت جراحهم وذاكرتهم من جديد على نكبة عام 1948، فقد أعادوا الصراع إلى "جذوره التاريخية" على أرض فلسطين، إلى ما قبل عام 1948. إلى المربع الأول، الصراع على الأرض.