تقارير

الشيخ عثمان الطباع.. الموسوعي الذي حفظ تاريخ غزة وأنسابها

"إتحاف الأعزة في تاريخ غزة".. كتاب يوثّق لأعلام الشخصيات في غزة

يُحكى أن الحملة الفرنسية على مصر والمنطقة بقيادة نابليون لم تكن احتلالاً عسكرياً فقط، بل كانت احتلالاً ثقافياً واجتماعياً بالدرجة الأولى، حيث جلب نابليون معه المطابع والمؤلفين ليكتبوا عن حملته، وسرق جنوده الكتب والذخائر الثقافية الموجودة في القاهرة، ودخلت خيول جيشه الأزهر وعاثت فيه فساداً. وحرص على كتابة سيرة الحملة وأخبارها من خلال الكتّاب الذين كتبوا روايتهم والمطابع التي سرّعت في انتشار هذه الرواية.

وكاد أن يكون لنابليون ما أراد، إلا أن رجلاً واحداً استطاع أن يتغلب على هذه الحملة، وهو عبد الرحمن بن حسن برهان الدين الجبرتي، الذي عاصر الحملة ووصفها بدقة في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" المعروف بـ"تاريخ الجبرتي". وكان دوره أساسياً في تفنيد الرواية الفرنسية رغم النقد الذي تعرض له نتيجه تردده على بعض المنشآت التابعة للاحتلال.

هذا الدور، قام به في غزة في النصف الأول من القرن العشرين الشيخ عثمان الطباع في موسوعته "إتحاف الأعزة في تاريخ غزة" الذي وثّق فيه لأعلام الشخصيات في غزة.

 



يقع الكتاب في أربعة مجلدات كبيرة، يحمل المجلد الأول (372 صفحة) عنوان "تاريخ غزة منذ العصور القديمة حتى العهد المملوكي"، ويستكمل المجلد الثاني (500 صفحة) تاريخ غزة منذ بداية العهد المملوكي حتى نهاية العهد العثماني وبداية الانتداب البريطاني. وفي المجلد الثالث (544 صفحة) يتحدث عن العائلات والأنساب وألقاب الأسر القديمة والحديثة ونعوت الفضلاء ومعانيها. أما المجلد الرابع (480 صفحة) فيضم تراجم الأعيان والأعلام الذين أنجبتهم غزة أو نزلوا بها أو تُوفوا فيها بدءاً من هاشم بن عبد مناف جد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى منتصف القرن العشرين.

أهمية دور الشيخ الطباع في هذا الكتاب هو أنه ربط غزة وعائلاتها وعشائرها وأنسابها بفلسطين كجزء لا يتجزأ من هذا الوطن، وتناول دور أعيان وأعلام غزة في فلسطين وهيئاتها القضائية والسياسية والدينية، وقد مرّ معنا في مقالات سابقة كيف أن بعض قضاة الخليل والقدس في العهد العثماني كانوا من غزة.

وفي أثناء قراءتي لتراجم الأعيان في الكتاب، لفتني أن المؤلف قال شعراً ببعض الأعيان الذين عاصرهم، وكان معظمه يصب في غرض الرثاء. وهذا يؤهله أن ينضم إلى قافلة شعراء فلسطين بجدارة، رغم أن ما غلب عليه هو المؤرخ والشيخ.

فمن هو الشخ عثمان الطباع؟

هو أبو المحاسن عثمان مصطفى حامد الطباع ولد في مدينة غزة عام 1882. يعود اسم عائلته إلى مهنة الجد الأكبر وهي طباعة السيوف (صناعتها وصقلها). وهي عائلة منتشرة في بلاد الشام.

درس المرحلة الابتدائية في مدارسها، فحفظ القرآن الكريم وجوّده، ودرس التوحيد والحساب والعبادات، وكان متفوقاً على زملائه في دراسته. 

اتجه في دراسته الدينية على المذهب الحنفي فأخذ عن علماء بلده، وفي عام 1900، اتجه إلى مصر لإكمال دراسته في الجامع الأزهر، فأخذ عن كبار العلماء كالشيخ أحمد الرفاعي، والإمام محمد عبده، والشيخ سليم البشري.

بعد أن نال الإجازات من الأزهر الشريف، عاد إلى غزة وشرع في التدريس في جوامع غزة، وأسندت إليه الخطابة والتدريس في الجامع العمري الكبير بغزة سنة 1921، ثم أسندت إليه الخطابة فيه عام 1931. وتوفي شاعرنا في غزة عام 1950.

من أبرز إنجازاته الثقافية أنه أخذ على نفسه أن يقيم مكتبة عامة عامرة بالكتب، تكون الوحيدة والأولى والأكبر على مدى عشرات السنوات، فقام بجهد متواصل في جمع الكتب وخصص غرفة فسيحة في الجامع العمري وزوّدها بأكثر من ثلاثة آلاف كتاب.

 


 
كان الشيخ عثمان رئيساً لجمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترأس جمعية الهداية الإسلامية، وكانت له نشاطات سياسية قارع فيها الانتداب البريطاني منذ بداياته.

لم يقتصر إبداع الطبّاع على الشعر والتراجم، بل اشتُهر بتعدد النواحي الإبداعية والعلمية التي اجتمعت في شخصيته، فهو العالم الأزهري والداعية الذي يصدع بالحق، وهو الكاتب والمؤلف في علوم شتى، إذ بلغت مؤلفاته نحو اثنين وأربعين كتاباً معظمها يدور حول العلوم الإسلامية من أصول دين ومنطق وحديث شريف وفقه، فضلاً عن الشعر المنتشر في مؤلفاته. 

من مؤلفاته:
 
"إتحاف الأعزّة في تاريخ غزة" (4 أجزاء). "خلاصة الأنساب لعائلات غزة". "بلوغ المراد في الأدعية والأوراد". "البدر المنير على مولد الدردير". "الثبت الفريد في عالي الأسانيد". "التعاليم الدينية في الخطب المنبرية". "تحرير المقياس في تقرير القياس". "فصاحة اللسان في علم البيان" (حاشية عليه). "نظم المباني في مبادئ المعاني". "الدروس الأولية للمكاتب الوطنية في علم الجغرافية والفلك". "الديباج المنثور على زورق البحور في العروض". "رسالة في التقليد والنظر"، "السفينة الزاخرة في محاسن الأشعار الفاخرة".

شعر عثمان الطباع

عن شعره، نقل معجم البابطين أنه "شاعر نظم في المألوف من أغراض الشعر. قصائده تعكس ثقافته وارتباطه بالتاريخ العربي، ويغلب عليها الرثاء والتهنئة والإخوانيات والوصف، كما أنها رسمت صورة قلمية لرجال عصره (ما يزيد على مئتي شخصية) الذين ترجم لهم في كتابه "إتحاف الأعزة".

من قصائده الرقيقة قصيدة "مفرد بالمجد":

عيونُ المها تسبي نُهَى كلِّ ناظرِ      ..      وقلبُ الأُلى يَدمَى بسهم النواظرِ 
عيونٌ لها ترنو الظِّبا بتحيُّرٍ             ..     تفعلُ عند اللحظِ فعلَ البواتر 
مُغضَّضةٌ حوراءُ تنظر خفْيةً           ..     منضَّرةٌ كحْلاء تبدو لناظر 
لها حاجبٌ من فتْكِها غيرُ حاجبٍ      ..     وجفني بها من كسْرها غيرُ جابر 
فبالله أُرثُوا إن رُميتُ بسهمِها          ..     وميلوا كما مالتْ إليكم خواطري
فإني نحيلٌ مدْنفٌ بهواكمُ           ..     أراقبُ وَصْلي منكمُ وتَسامري 
فأبدو جميلَ الفعل رفقًا ومنَّةً        ..      وأبدو جزيلَ الفضل وفقَ المآثر

ومن مرثياته التي نشرها في كتابه (حوالي 200 قصيدة)، نختار بعض الأبيات من قصيدة "الموت كأس":

الموت كأسٌ، وكلُّ الناس شاربُهُ       ..       يدور دوماً، ولا تصفو مشاربهُ 
قد بات يسطو ويعدو عدْوَ مفترسٍ   ..       يجوب قِدْماً، ولا تُخطي مضاربه
يصيب بالبأس ذا فضلٍ وذا كرمٍ       ..       لو كان أهلاً إلى الهيجا نحاربُه
يصيح، صاحِ، برعبٍ في أحبَّتنا          ..       وليس خِلاً غدا كيْما نُعاتبُه 
يأتي غروراً على غِرّاته عكفاً          ..        لا تغفلنَّ إذا نامتْ عقاربُه 
كم بتُّ في أرقٍ، مذ صرت في قلقٍ  ..         لما هوى من مَشِيد الفضلِ جانبه

 

*شاعر وكاتب فلسطيني