كتاب عربي 21

لماذا تستمر الحماسة التطبيعية؟ نظرة في الرؤية الإماراتية

1300x600
لم يحصل أنّ دولة عربية كانت بمثل هذا النشاط المحموم، الذي تبديه الإمارات اليوم، في تطبيع الوجود الإسرائيلي في المنطقة، لا مصر كامب ديفد، ولا الأردن وادي عربة. وبالرغم من الرعونة الظاهرة في السلوك التطبيعي العربي، أواسط تسعينيات القرن الماضي، إلا أنّ ذلك التطبيع حرص على التغطّي بعملية السلام الطازجة، وما تلقّاه من دفع قويّ ساعتها، وبإظهار شيء من التوازن، والمحافظة التقليدية في الخطاب الرسمي في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لا يعني ذلك أيّة أوهام تجاه بقية النظام العربي، الذي جاهر بالعلاقة مع "إسرائيل"، أو لم يزل يديرها في الخفاء، إلا أنّ الحماسة الإماراتية تجاوزت حدود الاستساغة التي رسّمها ذلك النظام العربي، والمغطّاة بالكثير من الحيل الخطابية، والقليل جدّا من الأفعال ذات الجدوى مما يمكن أن يفيد القضية الفلسطينية، ولو في حدود دنيا، وهو ما دعا المعقّبين على العلاقات الإماراتية الإسرائيلية لاستهجان تلك الاحتفالية الفجّة، التي أبدتها الإمارات بعد توقيعها لاتفاقية التطبيع مع "إسرائيل"، وهي احتفالية ظاهرة التصنيع المتعمّد.

هذه القصديّة في الاحتفاء بـ"إسرائيل"، إلى درجة تبنّي سرديّتها ومفرداتها في بعض الأوقات، واصطناع مظاهر جارحة للغاية، لا لمشاعر الفلسطينيين فحسب، بل وللوعي العربي عموما، أثارت التساؤل عن سرّ الدوافع الإماراتية. هنا يتسع المجال للسخرية، وللتعبيرات الأدبية والمجازية في توصيف هذه الحميمية، ويتسع الخيال لتصوّر تاريخها من خلف الجدر والستائر وما انطوى عليه من اشتياق يترقب يوم إعلانها. لكنّ ذلك كلّه لا ينبغي أن يُغفِل أنّ الإمارات دولة تَمهر في التجارة؛ التجارة الاقتصادية، والتجارة السياسية، فالمواقف تباع لتحقيق المكاسب، فالأمر جزء من رؤية جيواستراتيجية لموقع هذا البلد ودوره، وهي رؤية ربما ساهم في صياغتها وتحققها دوافع وأفكار شخصية للحكام الأكثر تأثيرا في هذا البلد.
تبدو كلمة "التحالف" هنا سحريّة لتبديد هذه الحيرة في فهم الفجاجة القصديّة في الاقتراب الحميمي من "إسرائيل"، لكنها غير كافية، فالاحتفالية المصطنعة هي لخدمة التحالف، والتحالف له دوافعه، وله متطلّباته. أمّا دوافعه، فقد يأتي في صدارتها الطموح الإماراتي الذي يراهن على إمكان الاستثمار في حالة السيولة الإقليمية والدولية

تبدو كلمة "التحالف" هنا سحريّة لتبديد هذه الحيرة في فهم الفجاجة القصديّة في الاقتراب الحميمي من "إسرائيل"، لكنها غير كافية، فالاحتفالية المصطنعة هي لخدمة التحالف، والتحالف له دوافعه، وله متطلّباته. أمّا دوافعه، فقد يأتي في صدارتها الطموح الإماراتي الذي يراهن على إمكان الاستثمار في حالة السيولة الإقليمية والدولية، لبناء دولة وظيفية ثانية تشبه "إسرائيل"، ويعوّل عليها الغرب في المنطقة، كي تكون ذراعا له وخادما لمصالحه. ولكنها لا تقوم على أساس منافسة "إسرائيل"، بل على أساس الارتباط الوشيجي معها، وهو ما يجعل هذا الطموح آمنا، فهو وإن تطلّب قدرا كبيرا من المغامرة الخشنة والمسلّحة، كما حصل في ليبيا واليمن، مثلا، فإنّه في الوقت نفسه يغامر داخل المساحة المسموحة من الرعاة الكبار للعالم. فهي اندفاعات لخدمتهم، ولا تكتفي بعدم المسّ بربيبتههم المدلّلة "إسرائيل"، بل ترتبط معها بتحالف منسجم في الرؤية والأهداف.

الأمر أعمق وأبعد من مجرد البحث عن نفوذ داخل الولايات المتحدة، أو رضا هناك يُقصد إليه من البوابة الإسرائيلية، وإنما هو البحث عن موقع الثابت، غير الخاضع للتشكيك أو التحوّل لدى الإدارات الأمريكية، تماما كما هو حال "إسرائيل"، الثابت النسبي في السياسات الأمريكية. فلا أحد في أمريكا يختلف على "المبدأ الإسرائيلي"، وإن أمكن الاختلاف على بعض السياسات الإسرائيلية، ولا يمكن للإمارات الوصول إلى منزلة الثابت في السياسة الأمريكية، من موقع المنافس لـ"إسرائيل"، فالمسعى حينئذ سيكون مناقضا لمبدأ الثبات الإسرائيلي في السياسات الأمريكية.
السياسات الإماراتية التي تبدو غير مفهومة، بسبب مبالغتها، كحربها الكاسحة على جماعة الإخوان المسلمين الأضعف من أن تُشكّل خطرا جدّيّا على الإمارات، والاحتفالية الفجّة بالحليف الإسرائيلي، هي جزء من متطلبات التحالف، باستثمار لحظة السيولة لإعادة صياغة المنطقة وفق الرؤية التي تتوقع الإمارات نفسها فيها

والوعي الإماراتي في صياغة تصوره لمستقبله، انطلق أساسا من إدراكه للثابت الإسرائيلي، ومن الحدود القصوى الممكنة لتحرّك دولة بمحدودية إمكانات الإمارات. فالمال الوفير على أهميّته غير كاف، وهو ما يجعل المغامرة واندفاعاتها غير خارجة جوهريّا عن السياسات الخليجية المحافظة.

إنّ السياسات الإماراتية التي تبدو غير مفهومة، بسبب مبالغتها، كحربها الكاسحة على جماعة الإخوان المسلمين الأضعف من أن تُشكّل خطرا جدّيّا على الإمارات، والاحتفالية الفجّة بالحليف الإسرائيلي، هي جزء من متطلبات التحالف، باستثمار لحظة السيولة لإعادة صياغة المنطقة وفق الرؤية التي تتوقع الإمارات نفسها فيها، بأن تكون ثابتا لا يكن المساس به في السياسات الدولية، ولا سيما في التقلبات الأمريكية، وهو ما يحتاج حليفا إقليميّا قويّا، ليست له مطامع خاصة تمسّ النظام الإماراتي، بخلاف ما تتوقعه الإمارات من إيران أو تركيا، المتمددتين في المنطقة على أسس تصطدم مع النظام التقليدي العربي، إذ لكل منهما خطابه وتحالفاته التي تثير مخاوف النظام التقليدي العربي، بخلاف "إسرائيل" التي تظهر رغبة صادقة في الحفاظ على النظام التقليدي العربي، الذي أثبت أنه بهشاشته، وقمعيّته، ضمانة لاستمرارها، بل ستكون "إسرائيل"، والحالة هذه، أقرب للإمارات من السعودية، إذ لا خلافات حدودية، ولا هواجس تاريخية، ولا منافسة في مجال إقليميّ واحد.

رؤية من هذا النوع تتطلب تكريس التحالف، بتجاوز الماضي وخطاباته، وكأنّه لا شيء، ولذلك الفجاجة الاحتفالية كانت ضرورية، وذلك في مقدّمة لما هو أهمّ من الفجاجة الاحتفالية، بفرض التحالف واقعا بكلّ حيثياته وتفاصيله، على المستوى الثنائي بإعلان مظاهر التحالف العسكري مثلا، وعلى المستوى الإقليمي بالتسويق للتطبيع وتمويل مشاريعه في الأطر الشعبية، كما في محاولات جرّ الجامعات العربية للتطبيع عبر بوابة المنح الأكاديمية الممولة بين الجامعات الإمارتية والإسرائيلية، أو في الأطر الحكومية، كما في مشروع مبادلة الطاقة بالمياه بين الأردن و"إسرائيل" برعاية إماراتية.
سيكون التحالف مع "إسرائيل" ثابتا إماراتيّا لا تراجع عنه، إلا بفعل هزّات ضخمة تُخِلّ بالتوازنات التي سمحت بهذا التحالف، وما سوى ذلك من سياسات تدوير الزوايا، كالمصالحة مع تركيا، والحفاظ علي وتيرة هادئة في العلاقة مع إيران

الهدف من ذلك كلّه، هو التأكيد على طبيعية الوجود الإسرائيلي والعلاقة معه، بما يحوّل القضية الفلسطينية إلى قضية ثانوية، محدودة الإزعاج ويمكن التعامل معها بالأدوات التطبيعية نفسها (تحديدا التسهيلات الاقتصادية والتعاون الأمني)، ولا شكّ أنّ سياسات السلطة الفلسطينية تساعد على ذلك. أمّا الاستفادة الإماراتية، فبتحوّلها إلى رقم صعب، كالرقم الإسرائيلي، أو إلى ثابت في السياسات الدولية لا يمكن تجاوزه، وبهذا تتشارك الإمارات، ولو من الموقع الثاني، و"إسرائيل" في السيادة الإقليمية على المنطقة العربية، وعلى النحو الذي يرهن هذه المنطقة لهذا التحالف الثنائي، تماما كما يجري مع الأردن في خطة المياه مقابل الطاقة!

سيكون التحالف مع "إسرائيل" ثابتا إماراتيّا لا تراجع عنه، إلا بفعل هزّات ضخمة تُخِلّ بالتوازنات التي سمحت بهذا التحالف، وما سوى ذلك من سياسات تدوير الزوايا، كالمصالحة مع تركيا، والحفاظ علي وتيرة هادئة في العلاقة مع إيران، فهي متغيرات لا تتناقض والتحالف مع "إسرائيل" بل قد ترمي إلى خدمته.

يغيب عن هذه الرؤية الطموحة ثلاثة عناصر مهمة؛ الأول، أن "إسرائيل" وإن كانت ثابتا دوليّا، أو أمريكيّا على الأقل، فهي ليست ثابتا في المنطقة، والثاني أن السيولة التي فتحت المجال لمحاولة إعادة صياغة المنطقة أكبر من يستوعبها التحالف الإسرائيلي، وقد تنفتح على مفاجآت غير سارّة لهذا التحالف، والثالث أن اضطرار الإمارات للدخول في حلف يميني عالمي، كان ترامب من أبرز سادته، قد تكون نتائجه عكس ما تشتهي، فانتصار هذا التحالف الكاسح غير مضمون، وفي كل الأحوال قد يضعها في صراعات أكبر منها.

twitter.com/sariorabi