كتب

أبعاد القوة وحدودها.. تقديم نقدي وموضوعي لإسرائيل

كتاب يناقش تحول وصف إسرائيل من دولة ديمقراطية إلى دولة استعمار استيطاني

الكتاب: "إسرائيل في عقدها الثامن: أبعاد القوة وحدودها"

تحرير: مهند مصطفى  
الناشر: مركز رؤية للتنمية السياسية، إسطنبول- تركيا، 2020

يأتي هذا الكتاب في توقيت مهم خاصة في ظل نجاح إسرائيل في إقامة علاقات رسمية مع بعض البلدان العربية، ودخول الكيان الإسرائيلي العقد الثامن لنشأته، حيث تناول الدور الإسرائيلي في المنطقة عبر رؤية موضوعية وعلمية لتقييم مصادر القوة والضعف دون تهوين او تهويل، كما درجت كثير من الكتابات العربية، وهو ما يذكرنا بكتابات لبعض مراكز الدراسات الفلسطينية التي انتهجت نفس الرؤية، وكتابات الدكتور عبد الوهاب المسيري.
 
وجاء هذا الكتاب عبر سبع فصول لعدد من الباحثين والأكاديميين الفلسطينيين من خلال أحد المراكز البحثية الفلسطينية في تركيا وهو مركز رؤية للتنمية السياسية.

يتناول الكتاب مدخلا نظريا لقوة الدولة، والمعضلة الجيبوليتيكية الإسرائيلية، والقوة الناعمة الإسرائيلية  "مصادرها وحدود حضورها، وكذلك واقع القوة الحضارية والعسكرية والاقتصادية" والعلاقة بين إسرائيل والقانون الدولي.
 
وتأتي أهمية هذا الكتاب في ظل ترويج إسرائيل لنفسها بأنها نموذج اقتصادي مبهر يمتلك قدرات تكنولوجية وصناعية يستطيع مساعدة الدول العربية بغض النظر عن إحراز أي تقدم في القضية الفلسطينية وبالمخالفة لكل التعهدات العربية بربط التطبيع بإقامة دولة فلسطينية، وتقديم التحدي الإيراني كعنصر مشترك.
 
وعندما يتناول مفهوم القوة الإسرائيلية تتبنى التعريف الحديث لها الذي لا ينحصر في المكون العسكري فقط، بل يتناول جوانب أخرى مثل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والخارجية والحضارية وغيرها، باعتبار أن مفهوم القوة مفهوم شامل.

ويتناول كل فصل محورا من محاور القوة الإسرائيلية، من خلال معالجة نقدية للأدبيات الإسرائيلية من جهة، وتحليل معمق لجوانب القوة الإسرائيلية المختلفة من جهة أخرى.
 
واحتوى الفصل الأول على المداخل النظرية التي يمكنها تفسير نشأة إسرائيل دون ادعاء بان نظرية واحدة قادرة على التفسير، وأهمية هذا المدخل تكمن في ضرورته لفهم مصادر القوة الأولى، التي قد تتحول بمرور الوقت إلى عبء عليه ومصدر من مصادر ضعفه، كما يعرض عدة عناصر لقياس قوة الدول منها الجغرافيا السياسية، شرعية النظام السياسي، ديمغرافية الدولة، مدى سلامة المجتمع، القدرة الاقتصادية، القوة العسكرية، التطور التكنولوجي، القوة الناعمة، كما تناول مؤشرات ضعف الدولة ومن أهمها مؤشرات تماسك المجتمع، التي تضم الأجهزة الأمنية، وطبيعة النخبة ومدى انقسامها، المؤشرات السياسية وأهمها مفهوم الشرعية واساس وجود الدولة، المؤشرات الاقتصادية، والاجتماعية ومنها الضغوط الديموغرافية والتي تؤدي إلى إضعاف قدرتها على استيعاب الأعداد الجديدة من حيث الصحة أو التعليم.
 
كما يتناول المعضلة الجيبولوتيكية الإسرائيلية، بافتقارها للعمق الاستراتيجي بسبب جغرافيتها، وتفاقم الصراع الإثني بين السفاراديم والأشكناز، وتزايد أعداد الفلسطينيين بشكل متسارع، عدم نجاعة النظام السياسي نتيجة عدم القدرة على الجمع بين انتهاج الديمقراطية والاستمرار في الاحتلال، تآكل شرعيتها الدولية بسبب تجاوزها للقانون الدولي، ويناقش عدة سيناريوهات لحل هذه المعضلة، منها حل الدولتين، أو استمرار الوضع الحالي والذي قد يؤدي إلى تفجر الأوضاع من جديد في حال حدوث تغير إقليمي لصالح القضية الفلسطينية، وسيناريو الكونفدرالية وهو غير مقبول فلسطينيا قبل الحصول على الاستقلال والدولة، بالإضافة لعدم ترحيب مصر والأردن به، وسيناريو الدولة ثنائية القومية بنظام ديمقراطي، أما سيناريو الانسحاب الأحادي لحدود آمنة الذي قد يظهر بسبب تعرض الحكومة الإسرائيلية لضغوط جدية كاندلاع انتفاضة جديدة أو ضغوط دولية فيصبح هذا السيناريو هو المرجح على ضوء سيطرة التيار اليميني على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من خلال التخلص من العبء السكاني الفلسطيني وضم المستوطنات والاحتفاظ بأكبر جزء من الأرض الفلسطينية بما فيها الأماكن ذات الأهمية الدينية. دون السماح بعودة اللاجئين مع المحافظة على حدود آمنة.

 

يمثل هذا الكتاب في المجمل محاولة ناجحة لتقديم إسرائيل بشكلها الحقيقي والعنصري، كما يمثل هذا الكتاب مرجعية مهمة مام الأجيال الجديدة من الشباب العرب، وامكانية استخدامه في استمرار عزل إسرائيل دوليا وقانونيا.

 



يتناول الكتاب تحول وصف إسرائيل من دولة ديمقراطية كما حاولت تسويق نفسها إلى دولة استعمار استيطاني، وفشل خطاب الضحية في السياق الدولي، وبدء تصدع العلاقة بين الجالية اليهودية في الولايات المتحدة وإسرائيل.. أما على المستوى الإقليمي حاولت إسرائيل استغلال انشغال العالم العربي بمشاكله بتعزيز مواقعها الإقليمية على المدى القصير، وتعزيز سيطرتها على الأراضي الفلسطينية، وتعزيز علاقتها مع الدول العربية المعتدلة، وتقوية علاقاتها مع الدول الأطراف الإقليمية المحيطة بالعالم العربي وتهميش الموضوع الفلسطيني عبر معارضة كل مبادرات للتسوية، كما يظهر تراجع إسرائيل سياسيا وأكاديميا، خاصة في ظل تزايد حملات المقاطعة ونزع الشرعية عن إسرائيل دوليا وتراجع البحث العلمي.
 
ويتناول الفصل الرابع القوة الحضارية، من خلال عرض محاولات "إسرائيل" لإثبات وجود حضاري على أرض فلسطين، وبالرغم من نجاح هذه الجهود داخليا، إلا أنها فشلت في الصمود أمام حقائق التاريخ، ورغم نجاح "إسرائيل" في أن تكون في مصاف الدول المتقدمة، إلا أن ذلك جاء نتاجا مختلطا من القوة الذاتية الإسرائيلية والدعم الخارجي الذي لم ينقطع، مما ساهم في التغطية على الاختلالات الداخلية في قطاعات كثيرة، كان يمكن أن تؤدي إلى تفجير المجتمع وتفكيكه.
 
في ما يتعلق بتقييم القوة العسكرية يرصد الكتاب عدة ملاحظات: منها أن الجيش الإسرائيلي مجهز بشكل جيد، ويمتلك تكنولوجيا متطورة، فضلا عن تسجيل انتصارات كثيرة أوحت بأن الجيش قوة لا تقهر، حتى جاءت حرب أكتوبر التي مثلت ناقوس الخطر لإسرائيل، بينما أثبتت المواجهات مع قوى المقاومة ضعفا إسرائيليا كبيرا من حيث عدم التمكن من حسم الحرب، وتعرض جبهتها الداخلية لتهديدات حقيقية، وتراجع الروح القتالية عند الجندي الإسرائيلي، الذي يمثل تحديا حقيقيا أمامها.
 
ويعرض الكتاب وضع إسرائيل في القانون الدولي منذ النشأة ونقاط الضعف والخيارات القانونية المتاحة في القانون الدولي والمؤسسات الدولية والمحلية، راصدا حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات، والاشتباك القانوني في أروقة المحاكم الدولية، ومنظومة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، واستخدام الإعلام الجديد، والتي حققت عددا من النجاحات إلا أن ذلك لم يمنع من وجود تحديات داخلية مثل نقص الخبرة، وضعف التمويل، وغياب الراعي الرسمي لهذه التحركات، وأخرى خارجية مثل الضغط السياسي الإسرائيلي والأمريكي، والحصانة الدبلوماسية.
 
بينما يتناول الفصل الأخير واقع القوة الاقتصادية الإسرائيلية، التي تستند في قوتها على الدعم الأمريكي والأوروبي للقطاعين الاقتصادي والعسكري، فضلا عن الاستقرار الأمني والسياسي، باستثناء بعض الفترات، والتي تؤثر فيها الأزمات التي تواجه الاقتصاد الأمريكي والتي تؤثر سلبا فضلا عن استمرار وتيرة حركة المقاطعة التجارية وتصاعدها.

يقدم الكتاب محتواه عبر توثيق موضوعي حيث لا يكتفي بالمصادر العربية والفلسطينية بل يعرض أيضا للمصادر الإسرائيلية ذاتها، وهو ما يضيف أهمية له.
 
ويمثل في المجمل محاولة ناجحة لتقديم إسرائيل بشكلها الحقيقي والعنصري، كما يمثل هذا الكتاب مرجعية مهمة أمام الأجيال الجديدة من الشباب العرب، وإمكانية استخدامه في استمرار عزل إسرائيل دوليا وقانونيا.