قضايا وآراء

عندما كنت عميلا للمخابرات الأمريكية!

1300x600

افتح التليفزيونات العربية على أية قناة واستمع إلى أي برنامج حواري حول أي موضوع في السياسة العربية وتوقع عمق الصدمة التي تهزك هزاً عنيفا حين يحسم أحد المتكلمين القضية مع محاوره بعبارة: "أنت عميل للمخابرات المركزية الأمريكية أو طبعا عميل الموساد"، وينتهي الحوار ليبدأ الخوار "من الخور" وينتهي السلام ليبدأ الخصام وتنتهي الكلمات لتبدأ اللكمات.. 

غريب أمرنا نحن العرب! لماذا لا نتحاور بدون أن نتشاتم؟ وإني أحفظ في ذاكرتي وفي مذكراتي بآلاف من هذه الأخلاق المنحطة التي تقذف بالعمالة للمخابرات الأمريكية أو للموساد كل من لا يروق للمحاور المتأدلج "أي المشبع بالأيديولوجيا" أو كل من يستعمل عقله عوض عاطفته لمقاربة ملف من الملفات العربية وبشكل مختلف، والرمي بالعمالة للمخابرات أصبح اليوم من نصيب كل مثقف عربي إصلاحي أو ديمقراطي أو تطوري "من سنة التطور الطبيعي للمجتمعات" لأن الإدارة الأمريكية الراهنة والتي قبلها نظريا على الأقل هي التي تنادي بالإصلاحات الديمقراطية، وما دامت هي التي تدعو للديمقراطية فاللعنة على الديمقراطية والذين خلفوا الديمقراطية فقط لأنها من أصول أمريكية! 

هذا بكل بساطة منطق مقلوب وعقل مسلوب وأنا سأروي بعض النوادر التي عايشتها منذ بعض العقود لأبرهن لكم على أن الداء قديم والخطب عظيم، حين كنت في مطلع الشباب وانتقلت من مدينتي الصغيرة القيروان إلى تونس العاصمة، بدأت أعمل صحفياً صغيراً في صحيفة "العمل" لسان الحزب الدستوري وفي أوقات الراحة أجلس في مقهى "باناليكس" المجاور للكاتدرائية في شارع بورقيبة (لا أدري هل ما زال هذا المقهى أم أزيل؟) مع شباب الأدب والصحافة الطيبين من جيلي نتطارح في ذلك الزمن قضية حرب الفيتنام الجائرة وانحياز بورقيبة لامريكا ضد إرادة الجماهير وقضية المثقفين المغضوب عنهم في الاتحاد السوفييتي أمثال الكسندر سوليجنتسين وساخاروف وحتى شارانسكي الذي أصبح بعد ذلك وزيرا ليكوديا في حكومة شارون! 

وذات يوم من أيام ذلك العهد اتصل بي السيد أحمد قطب وهو أمريكي الجنسية وفلسطيني الأصل ومدير للمركز الثقافي الأمريكي بتونس، أتاح لنا مطالعة أروع الكتب الأمريكية لفولكنر وارثر ميللر وتنيسي وليامز وأرنست همنغواي وريتشارد ورايت مع مشاهدة أشهر الأفلام السينمائية الأمريكية بدون دفع تذكرة سينما لأننا بكل بساطة لا نملك إلا ما يسد الرمق براتبنا الهزيل! 

وأعترف بفضل هذا الموظف الكريم وبفضل ذلك المركز في وضع أيدينا نحن الشباب على درر الفكر الأمريكي والثقافة الأمريكية التي كانت كثيراً ما تأخذ مواقف مناهضة للسياسات الأمريكية! 

 

الرمي بالعمالة للمخابرات أصبح اليوم من نصيب كل مثقف عربي إصلاحي أو ديمقراطي أو تطوري "من سنة التطور الطبيعي للمجتمعات" لأن الإدارة الأمريكية الراهنة والتي قبلها نظريا على الأقل هي التي تنادي بالإصلاحات الديمقراطية، وما دامت هي التي تدعو للديمقراطية فاللعنة على الديمقراطية والذين خلفوا الديمقراطية فقط لأنها من أصول أمريكية!

 



وذات يوم عرض علي السيد أحمد قطب أن أقوم بإجراء لقاء مع فضيلة الشيخ كمال التارزي مدير الشؤون الدينية بالوزارة الأولى في ذلك التاريخ لإذاعة صوت أمريكا بالعربية حول مناسك الحج وعدد التوانسة الحجيج، وهي حقائق منشورة على كل الصحف وليست أسرار دولة! وأذاعت الإذاعة لقائي مع الشيخ ضمن برنامج مطول شمل كل البلدان العربية من المحيط إلى الخليج، وتقاضيت من الإذاعة مبلغ 10 دنانير تونسية (ما يعادل بالضبط 10 دولارات لا غير) أنفقتها على شراء حذاء جديد بعد أن بليت الجزمة الوحيدة التي أحفظ فيها رجلي. 

وفي صباح الغد قصدت المقهى لمؤانسة الخلان من أترابي كالعادة وأغلبهم جاء مثلي من قرى تونس إلى العاصمة فما راعني إلا والوجوه متجهمة وبعضهم قام لينصرف والبعض الآخر أبى حتى أن يصافحني فظننت بأن الأمر مزحة من نوع الكاميرا الخفية، واستجرت بأحد الأوفياء منهم أستطلع سر هذا الجفاء الطارئ فأسر لي الصديق بما لم أتوقعه أبدا قائلاً لي: يبدو يا أحمد أن المعلومات لدى الجماعة تفيد بأنك أصبحت عونا من أعوان (السي آي إيه!) قلت: وكيف وأنا لا أعلم بندبي في هذه المركزية المخابراتية؟ فقال لي الأخ: لقد سمعك فلان وفلان في إذاعة صوت أمريكا تتحدث عن موسم الحج! أليس من العمالة أن تشارك في دعم الامبريالية الأمريكية والمخططات المعادية لشعوب العالم الثالث وضرب التقدمية العربية!".

ولا أخفيكم بعد عقود من الزمن أن تلك كانت شعارات السبعينيات، لأن الصديق الساذج كان في غاية الجدية وهو يسوق لي هذه التهم التي لم أفقه معانيها وهي ذاتها التي ساقت مئات المثقفين العرب إلى الإعدامات والسجون والمنافي، سامح الله الجميع وغفر لهم ولنا.. 

وأعترف لدى القراء الكرام اليوم بأنني لاقيت أقسى الشدائد في إقناع الزملاء بأني ورب الكعبة لا أعرف من المخابرات إلا الإسم بل لا أفقه حتى ماذا تصنع المخابرات لا في أمريكا ولا في سواها إلى يوم الناس هذا، وأنا أتذكر هذه النوادر للشباب العربي الصاعد حتى لا تغرنه الشعارات الزائفة المرفوعة ضد هذا أو ذاك من السلطة أو المثقفين من التهم الجاهزة والمظالم الجائرة!