أفكَار

الإسلام السياسي المغربي.. المفاهيم والأحداث والمواقف

قيادي في العدالة والتنمية يقدم شهادته في تجربة الإسلاميين المغاربة في الحكم

في الحاجة لتقييم تجربة ربع قرن من العمل السياسي

بغض النظر عن بعض الاعتبارات الظرفية التي تفرض تقييم التجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية بعد عشر سنوات من التدبير الحكومي، فإن هناك حاجة موضوعية لتقييم شامل لأداء أزيد من ربع قرن من العمل السياسي للفاعل الحزبي الإسلامي الذي وقع على مشاركة استثنائية في المنطقة العربية تعتبر من أنجح تجارب الإدماج السياسي "للإسلاميين" التي تميزت بنوع من السلاسة وبحد أدنى من التفاهم والتوافق غاب لدى الكثير من التجارب في البلدان العربية.

هناك اعتبارات عديدة تقف وراء التفكير في قراءة هذه التجربة وإخضاعها للنقد والتحليل:

حاجة المشروع السياسي الإسلامي لدورة فكرية جديدة:

الاعتبار الأول هو الشعور المتزايد بأن العمل السياسي لحزب العدالة والتنمية بحاجة إلى دورة جديدة من الأفكار السياسية التي تنعش مساره الإصلاحي وتعمل على تجديد قراءته للأفكار التأسيسية الأولى التي انطلق منها، وذلك من منطلق إدراك عناصر القوة والتأكيد عليها، ورصد عناصر الضعف والدعوة لتجاوزها، انطلاقا من التقييم الموضوعي للأفكار ومدى ملاءمتها للواقع، فهناك مبادئ تأسيسية لا غبار عليها، وهناك أفكار اجتهادية ولدت في سياقات وظروف معينة، ولكنها استقرت في وعي الجماعة وأصبحت راسخة رسوخ المبادئ والمنطلقات، وهو ما يستدعي تقليب النظر في بعض المسلمات الفكرية والسياسية والتنظيمية التي ينبغي تجاوزها وضخ نفس جديد في حركة الأفكار التي تستطيع تقديم الإجابات النظرية والعملية عن مجموعة من الإشكالات الواقعية المستعصية.

وفي قناعتي أن الأفكار السياسية تطورت داخل حزب العدالة والتنمية تحت ضغط الواقع، دون أن تخضع للإنضاج النظري الهادئ وما يستلزمه من وضوح في النموذج المعياري لنموذج الإصلاح السياسي المنشود، وهو ما خلف العديد من الالتباسات الفكرية والمنهجية الموروثة عن مرحلة ما قبل " الدولة"، أوما قبل تحمل مسؤولية التمثيل السياسي للمواطنين، جعلته حبيس بعض التصورات النمطية للعديد من المفاهيم المركزية في العمل السياسي، منها تصوره لمفهوم الدولة ولعلاقة الدولة بالدِّين وعلاقة الممارسة السياسية بالأخلاق وغيرها من المفاهي ...

ولذلك، فإنه ومن منطلق القناعة الراسخة بأهمية الأفكار السياسية والمفاهيم في توجيه الممارسة، فإن هناك حاجة ملحة لإخضاع مجموعة من الأفكار السياسية للنقد والتجديد، وذلك من أجل المحافظة على وضوح البوصلة الإصلاحية لهذه المدرسة التي انخرطت في الفعل السياسي من منطلق المرجعية الإسلامية، ومن تم فإن الممارسة الواقعية بدون إطار فكري ونظري واضح تتحول ـ في غياب رؤية سياسية وفكرية متماسكة ـ إلى مجرد انتهازية ظرفية، بل تتحول أحيانا إلى أداة من أدوات الضبط وكبح أي محاولة للتجديد والإبداع.

الحاجة لقراءة مجموعة من الوقائع والأحداث من منظور نقدي:

الاعتبار الثاني هو الحاجة لتوثيق بعض المحطات المفصلية من منظور نقدي، أو من خلال ما يمكن تسميته بـ"الوعي الاسترجاعي" أي إعادة قراءة بعض المواقف والقرارات والمسلكيات من خلال الظروف والسياقات التي تحكمت فيها، والملابسات الداخلية والخارجية التي أفرزتها، خصوصا وأن كاتب هذه الورقات هو ابن هذه التجربة وواحد من الذين عايشوا جزءا معتبرا منها وساهموا في مواكبة بعض تفاصيلها من مواقع ومستويات مختلفة في محطات تاريخية معينة، وهي المحطات التي تعتبر بحق شاهدة على جزء مهم من التاريخ السياسي المغربي المعاصر، فقد واكب الباحث من موقع الصحافي المتابع أول مشاركة برلمانية للإسلاميين من خلال حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية التي كان يرأسها الدكتور عبد الكريم الخطيب، قبل تغيير إسم الحزب سنة 1998 ليصبح حزب العدالة والتنمية، وواكب تجربة التناوب التوافقي التي عاشها المغرب مع حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، وساهم في مختلف المحطات الانتخابية التي عاشها المغرب خلال العشرية الأولى من الألفية الثالثة، والتي كشفت عن مسار تصاعدي للحضور السياسي لحزب العدالة والتنمية.

 

بغض النظر عن بعض الاعتبارات الظرفية التي تفرض تقييم التجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية بعد عشر سنوات من التدبير الحكومي، فإن هناك حاجة موضوعية لتقييم شامل لأداء أزيد من ربع قرن من العمل السياسي للفاعل الحزبي الإسلامي الذي وقع على مشاركة استثنائية في المنطقة العربية تعتبر من أنجح تجارب الإدماج السياسي "للإسلاميين" التي تميزت بنوع من السلاسة وبحد أدنى من التفاهم والتوافق غاب لدى الكثير من التجارب في البلدان العربية.

 


 

وتفاعل العدالة والتنمية مع الدينامية الاحتجاجية التي عرفها المغرب في شباط (فبراير) 2011، وهي النسخة المغربية لانتفاضات الربيع العربي، والتي عاش خلالها الحزب اختلافا حادا لم يسبق أن مر به طيلة مساره السياسي، كما واكب التجربة الحكومية الأولى التي ترأسها الأستاذ عبد الإله بنكيران من موقع العضوية في أعلى هيئة قيادية للحزب، وعاش تجربة الانتخابات البلدية والتشريعية لـ 2015 و2016 التي جرت في سياق سياسي ساخن في مواجهة حزب مدعوم من طرف السلطة والتي توجت حزب العدالة والتنمية كقوة سياسية أولى في البلاد تتمتع برصيد شعبي هائل بعد ملحمة انتخابية تحتاج إلى قراءة متأنية، كما واكب لحظة ما عرف في الصحافة المغربية بـ "البلوكاج" الذي يرمز إلى تعثر تشكيل الحكومة من طرف رئيس الحكومة المعين من طرف الملك آنذاك عبد الإله بنكيران والمكلف بتشكيل الحكومة، وواكب النقاش السياسي منذ تلك اللحظة إلى غاية إعفاء بنكيران وتعيين الدكتور سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة والجدل الحزبي الداخلي، كما عايش تجربة الحكومة الثانية لحزب العدالة والتنمية بقيادة العثماني من موقع العمل البرلماني كعضو في مجلس المستشارين وواكب مجمل القرارات التي اتخذت خلال هذه المرحلة، وهو ما يحتاج إلى القراءة والتحليل بناء على سردية منخرطة ومتفاعلة مع الوقائع والأحداث.

الحاجة لتوثيق بعض المحطات المفصلية في تاريخ هذه التجربة:

وهناك اعتبار ثالث يقف وراء هذه المحاولة، وهو اعتبار مرتبط بالرغبة في توثيق بعض المحطات السياسية التي كنت قريبا منها، وتحدوني رغبة شخصية في توثيقها إسهاما مني في كتابة جزء من الذاكرة التاريخية لهذه التجربة، وتوفير مادة مرجعية مكتوبة للأجيال الجديدة للاطلاع على جزء من تاريخنا السياسي المعاصر، أخذا بعين الاعتبار أن الرواية الشفوية كثيرا ما كانت محكومة بالقراءة الظرفية وبخدمة أغراض سياسية آنية، وبالتالي فهي لا تفي بغرض التأريخ لهذه التجربة وتوثيق محطاتها الأساسية.

قراءة نقدية للأفكار وتوثيقية للوقائع وشاهدة على مجموعة من الأحداث:

من خلال هذه الاعتبارات ستحاول هذه القراءة الاسترجاعية أن تهتم بثلاث مستويات من التحليل: 

المستوى الأول هو مناقشة مجموعة من الأفكار والمفاهيم السياسية المتداولة وإعادة قراءتها من منظور نقدي، اقتناعا مني بأن جزءا من الاختلالات التي عانت وتعاني منها هذه المدرسة يوجد في منظومة الأفكار التصورية والمدركات المؤطرة للفعل السياسي اليومي.

أما المستوى الثاني فهو المتعلق بإعادة قراءة بعض الوقائع والأحداث من منظور تأريخي، وتقديم الرواية حولها بما توفر لدي من معطيات كشاهد عايش جزءا كبيرا من الوقائع والأحداث وتوفرت لديه مجموعة من المعلومات التي تستحق أن تروى ويطلع عليها الناس.

أما المستوى الثالث فهو قراءة ذاتية توثق لبعض الأحداث أو المواقف التي كنت فاعلا فيها أو منفعلا بها خلال ربع قرن الأخيرة، سواء على الصعيد السياسي العام أو على الصعيد الحزبي أو على مستوى العمل البرلماني الذي يعتبر محور تركيز وتكثيف للكثير من التفاعلات بين ما هو حزبي وحكومي وسياسي، تمنحنا الكثير من المعطيات لتقييم التجربة السياسية والمؤسساتية المغربية ككل، التي لا يمكن فهم الأداء السياسي لحزب العدالة والتنمية إلا في نطاق خصوصياتها..

في الحلقة القادمة ندشن هذه السلسلة بقراءة في مفهوم التنظيم، أو حين ينزاح التنظيم عن وظيفته باعتباره وسيلة العمل إلى هدف في حد ذاته، ينزاح بالفكرة الإصلاحية من عمقها الاجتماعي ليكبلها بقوالب تنظيمية صارمة تحول التنظيم تدريجيا من حزب سياسي مفتوح إلى جماعة طائفية مغلقة..