كتاب عربي 21

بعد الاستفتاء صورة تونس أصبحت أكثر سوءا

1300x600
دخل الرئيس قيس سعيد منذ 25 تموز/ يوليو 2021 في سباق حواجز، كلما تخطى حاجزا اعترضه حاجز موالٍ. آخرها كان الاستفتاء الذي بمقتضاه غيّر الدستور ووضع أسس نظام سياسي بديل يمنحه صلاحيات خيالية. ورغم المعارضة التي لقيها في الداخل، مر المشروع تاركا وراءه ضجيجا سياسيا وقانونيا له أكثر من دلالة، لكن مع ذلك ها هو يسرع الخطى نحو إصدار منظومة انتخابية على القياس ستمكنه من تنظيم انتخابات في كانون الأول/ ديسمبر القادم؛ من شأنها أن تفضي الى انتخاب غرفتين ستكون فيهما الكلمة العليا له ولأنصاره. عندها تكتمل من وجهة نظره قواعد اللعبة كما تصورها، ويصبح وحده اللاعب الوحيد في بلد أضاع البوصلة وخارطة الطريق. لكن الحاجز القادم لن يكون سهلا، ويتمثل في مواجهة شركاء تونس الرئيسيين، في مقدمتهم واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي. كيف سيتصرف مع هذه الأصوات الغربية الغاضبة والقلقة؟

ما يزعج الرئيس سعيد الآن تعامل هؤلاء الشركاء الدوليين معه كشخص وكحاكم. هو غاضب لأن هؤلاء يتعاملون معه بصفته تلميذا غير منضبط، أو كشخص غريب يجهل "الأتيكات" ويحاول أن يغير قواعد اللعبة في العلاقات الدولية. وما يزعجه حقا أن هؤلاء يحاولون منعه من إنجاز حلمه الذي يتمثل في إخراج تونس من ارتباطاتها السابقة والراسخة، وتحويلها إلى مخبر لإطلاق تجربة جديدة يعتقد بأنها ستكون الشرارة التي ستغير العالم. هو يدرك بأن هؤلاء الذين يناوشونه حاليا لن يسمحوا له بأن يفعل ما يريد.
ما يزعجه حقا أن هؤلاء يحاولون منعه من إنجاز حلمه الذي يتمثل في إخراج تونس من ارتباطاتها السابقة والراسخة، وتحويلها إلى مخبر لإطلاق تجربة جديدة يعتقد بأنها ستكون الشرارة التي ستغير العالم. هو يدرك بأن هؤلاء الذين يناوشونه حاليا لن يسمحوا له بأن يفعل ما يريد

أقوى التصريحات وأكثرها إزعاجا لقيس سعيد وردت على لسان وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن؛ الذي اعتبر الاستفتاء قد "اتسم بتدني نسبة الإقبال على التصويت". وهو لم يقف عند ذلك الحد، بل أصدر المسؤول الأمريكي حكما عاما على مسار 25 تموز/ يوليو، حيث وصفه بأنه "عام من التراجع المفزع"، لم ير فيه أي نقطة ضوء. واستنتج من السياق والوقائع أن الدستور الجديد "يمكن أن يضعف الديمقراطية في تونس ويقوض احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية"، وهي ضربة موجهة للمشروع السياسي لسعيد. كما طالب بلينكن الرئيس التونسي بالإسراع في إقرار قانون انتخابي "شامل من شأنه أن يمكن من مشاركة أوسع في الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في شهر كانون الأول/ ديسمبر، وخاصة مشاركة تشمل من عارض أو قاطع الاستفتاء على الدستور".

وختم بلينكن بيانه بالتأكيد على أنه "بالتنسيق مع حلفائهم وشركائهم، قامت الولايات المتحدة وستستمر في استخدام جميع الأدوات المتاحة لدعم الشعب التونسي في تشكيل حكومة ديمقراطية خاضعة للمساءلة، تحافظ على مساحة النقاش والمعارضة الحرة، وتحمي حقوق الإنسان والأساسية".

رغم أن الموقف الأمريكي الرسمي تجاه سعيد لم يتغير من حيث مفرداته، ورغم أن ماضي الدبلوماسية الأمريكية يثبت بأن الخطاب يمكن في واد والممارسة في واد آخر، إلا أن الخطاب بدا هذه المرة أكثر حدة، وكشف عن تفاقم أزمة الثقة في قيس سعيد ونواياه البعيدة.


فالإدارة الأمريكية قد تكون اتخذت قرارا بمزيد التضييق على الرئيس التونسي، والعمل على إرباك مشروعه السياسي. يتضح ذلك بالخصوص فيما ورد على لسان السفير المنتظر "جو هود" الذي اعتبر أن "تصرفات الرئيس قيس سعيد عبر تعليق الحكم الديمقراطي وتوطيد السلطة التنفيذية أمر خطير"، والتزم أمام أعضاء لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس بأنه سيستخدم جميع أدوات النفوذ الأمريكي للدعوة إلى العودة إلى الحكم الديمقراطي"، مستعينا في ذلك بشركاء الولايات المتحدة.
الدبلوماسية التونسية أصبحت غير قادرة على تمرير خطاب لم يعد مقنعا للكثيرين. يمكنها استثمار الأزمة الدولية الحاصلة مع روسيا، كما يمكنها المراهنة قليلا على فرنسا رغم الانتقادات اللاذعة التي توجهها الصحف الباريسية لما يحدث في تونس، لكن صورة البلد أصبحت مهزوزة كثيرا

الرئيس سعيد مقدم على مواجهة صعبة، وتختلف في أدواتها ونتائجها عن معركته السياسية في الداخل ضد معارضيه. إذ أن أسلوب المناورة الذي استعمله طيلة الأشهر الماضية لم يعد ناجعا الاستمرار فيه، خاصة مع الإدارة الأمريكية. ومحاولة اللجوء إلى أصدقائه العرب مثل الجزائر والسعودية والإمارات في محاولة منه الحصول على دعم عاجل لمواجهة تفاقم الأزمة الاقتصادية، خاصة بعد استمرار حرب روسيا على أوكرانيا، ليست ناجعة في حال استمرار الخلاف مع البيت الأبيض.

ما تخشاه الأوساط القريبة من رئاسة الجمهورية هو أن تتسع دائرة الغاضبين على الرئيس، فالتصريح الذي أدلى به عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الألماني عن حزب الخضر، الشريك الحالي للحكومة الألمانية، "توبياش باشرليه" زاد من تصعيد هذه المخاوف، اعتبر أن الدستور الأخير "غير شرعي"، وإذ أقر بضرورة استمرار ألمانيا كشريك تجاري ثالث لتونس، إلا أنه دعا إلى ربط الدعم السياسي بالدعم المالي، ووصف النظام التونسي بـ"النظام الاستبدادي".

طويت صفحة الدستور، لكن العلاقات الخارجية لتونس ستبقى تعاني من اعتراضات عدد من الدول الوازنة، فالدبلوماسية التونسية أصبحت غير قادرة على تمرير خطاب لم يعد مقنعا للكثيرين. يمكنها استثمار الأزمة الدولية الحاصلة مع روسيا، كما يمكنها المراهنة قليلا على فرنسا رغم الانتقادات اللاذعة التي توجهها الصحف الباريسية لما يحدث في تونس، لكن صورة البلد أصبحت مهزوزة كثيرا، والقادم قد يكون أسوأ.