كتاب عربي 21

"يِريدَه".. أو خروج اليهود الإسرائيليين

قلق من تزايد نفوذ الأحزاب الدينية اليهودية في السلطة- جيتي
أعلنت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية هذا الأسبوع عن تأسيس مجموعة يهودية جديدة هدفها تسهيل هجرة اليهود الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة، كرد فعل على الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، الأمر الذي سيغير، من وجهة نظر مؤسسي المجموعة، علاقة الدولة الصهيونية بالدين اليهودي.

 

تخطط المجموعة التي تطلق على نفسها اسم "لنغادر البلد- معاً" لنقل عشرة آلاف يهودي إسرائيلي في المرحلة الأولى من حملتها. ومن بين قادة المجموعة الناشط الإسرائيلي المناهض لبنجامين نتنياهو يانيف غوريليك ورجل الأعمال الإسرائيلي- الأمريكي موردخاي كاهانا. وقد أعلن كاهانا، الذي نشط تاريخياً في جلب المستعمرين اليهود إلى إسرائيل، للصحيفة أنه "بعد سنوات من تهريب اليهود من مناطق الحرب في اليمن وأفغانستان وسوريا وأوكرانيا إلى إسرائيل، لقد قررت مساعدة الإسرائيليين على القيام بالـ"عَلِيَه" إلى الولايات المتحدة.. لقد حان الوقت لتقديم بديل للحركة الصهيونية في حال استمرت الأمور في التدهور في إسرائيل".

 

وأضاف كاهانا: "لقد رأيت أشخاصاً في مجموعات الواتساب يتحدثون عن هجرة الإسرائيليين إلى رومانيا أو اليونان، لكنني شخصياً أعتقد أنه سيكون من الأسهل عليهم الهجرة إلى الولايات المتحدة. لدي مزرعة ضخمة في ولاية نيوجيرزي، وقد عرضت على الإسرائيليين الاستيطان فيها من أجل تحويل مزرعتي إلى كيبوتس.. وباعتلاء حكومة على هذه الشاكلة في إسرائيل، ينبغي على الحكومة الأمريكية السماح لكل إسرائيلي يمتلك شركة أو لديه مهنة مطلوبة في الولايات المتحدة، كالأطباء والطيارين بالهجرة إلى الولايات المتحدة".

 

ليس كاهانا أول رجل أعمال يهودي يمتلك مزرعة ضخمة في نيوجيرزي يخطط لتحويلها إلى مستعمرة استيطانية يهودية. ففي خضم الهجرة اليهودية الهائلة من عام 1882 إلى عام 1914 والتي جلبت حوالي مليوني مهاجر يهودي روسي إلى الولايات المتحدة هروباً من الفقر المتزايد وتصاعد معاداة السامية، كان الممول والمحسن اليهودي الألماني- الفرنسي في القرن التاسع عشر، البارون موريس دي هيرش، رائداً وسبّاقاً في هذا المجال. لقد أسس دي هيرش "جمعية الاستعمار اليهودية" في لندن عام 1891، وكان هدف الجمعية تمويل المستعمرات الزراعية اليهودية لليهود الروس داخل روسيا وحول العالم، لا سيما في الأمريكتين.

 

وقد كانت أول مستعمرة زراعية أقامتها الجمعية في الولايات المتحدة هي "مستعمرة وودباين" التي تأسست عام 1891، في جنوب ولاية نيو جيرزي. وفي عام 1890 كان هيرش قد أسس "الجمعية الزراعية اليهودية" (التي استمرت حتى عام 1972) والتي ساعدت في نقل المستعمرين اليهود من الساحل الشرقي للولايات المتحدة إلى باقي مناطق البلاد. وفي عام 1892، أسس دي هيرش مدرسة وودباين الزراعية لتعليم وتمويل المستعمرين اليهود في أساليب الزراعة. وقد ازدهرت مستعمرة وودباين في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، واستقبلت بعد عام 1948 المئات من الناجين من المحرقة كمستعمرين جدد.

 

يُشار تاريخياً في إسرائيل، وهي دولة غارقة في الأيديولوجيا الدينية والاستعمارية الصهيونية، إلى هجرة اليهود إلى فلسطين كمستعمرين بالمصطلح الإيجابي "عَلِيَه" والتي تعني بالعبرية "الصعود" أو "الارتقاء" (إلى الجنة؟)، بينما يشار إلى رفض المستعمرين اليهود الاستمرار في الاستيطان من خلال الهجرة إلى أوروبا أو مستعمراتها الاستيطانية البيضاء بالمصطلح الاستهزائي والإذلالي "يِريدَه"، والتي تعني بالعبرية "النزول" أو "الانحدار" (من الجنة؟)

بالإضافة إلى المستعمرة الزراعية في نيوجيرزي، فقد ساعدت "المنظمة الإقليمية اليهودية"، المنبثقة عن المنظمة الصهيونية والتي تأسست عام 1901، في تمويل "خطة غالفستون" للاستعمار اليهودي لغرب الولايات المتحدة عبر ميناء مدينة غالفستون في ولاية تكساس في عام 1907. وقد نجحت الخطة في إرسال عشرة آلاف مهاجر يهودي إلى جنوب غرب الولايات المتحدة بحلول عام 1914. يبدو أن كاهانا اليوم كمن يسعى لإحياء هذه المخططات القديمة.

 

يُشار تاريخياً في إسرائيل، وهي دولة غارقة في الأيديولوجيا الدينية والاستعمارية الصهيونية، إلى هجرة اليهود إلى فلسطين كمستعمرين بالمصطلح الإيجابي "عَلِيَه" والتي تعني بالعبرية "الصعود" أو "الارتقاء" (إلى الجنة؟)، بينما يشار إلى رفض المستعمرين اليهود الاستمرار في الاستيطان من خلال الهجرة إلى أوروبا أو مستعمراتها الاستيطانية البيضاء بالمصطلح الاستهزائي والإذلالي "يِريدَه"، والتي تعني بالعبرية "النزول" أو "الانحدار" (من الجنة؟). يدعي بعض الصهاينة أن المصطلحين هما من أصل توراتي، على الرغم من أنه لا علاقة للاستخدام الصهيوني لهما بمعناهما الأصلي.

 

ومن الأهمية بمكان في هذا الصدد أن يصف كاهانا، مخالفاً الحركة الصهيونية، هجرة اليهود الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة بأنها "عَلِيَه" وليست "يِريدَه". بل ويوضح قائلاً: "لقد قمت بالعَلِيَه إلى الولايات المتحدة في عام 1991.. ولقد رفعت مستوى معيشتي ورفعت مستوى تعليمي وتعليم أطفالي".

 

ليس رحيل المستعمرين اليهود عن فلسطين ظاهرة جديدة، بل هو في الواقع أمر قديم قدم الاستعمار اليهودي الصهيوني للبلاد، والذي بدأ في ثمانينيات القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت، غادر المستعمرون اليهود الأوكرانيون، الذين كانوا أعضاء في حركة "بيلو" التي تأسست في مدينتي خاركوف وأوديسا، فلسطين إلى الولايات المتحدة وعادوا إلى روسيا، بعد أن مُنوا بخيبة أمل من نتائج جهودهم الاستعمارية التي فشلت. في الواقع، بين ثمانينيات القرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى، غادرت غالبية المستعمرين اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين في تلك الفترة. ولقد غادر فلسطين أيضاً ما يصل إلى 10 في المئة، أي حوالي 60 ألفاً، من المستوطنين اليهود بين عقد العشرينيات وعام 1948، بالإضافة إلى 30 ألفا الذين غادروا قبل الغزو البريطاني لفلسطين في نهاية عام 1917.

 

ووفقاً للباحث الإسرائيلي مئير مارغاليت، كان آلاف المستعمرين يريدون الهجرة في تلك الفترة لكن لم يكن لديهم المقدرة المالية على المغادرة. وقد ناشد آلاف آخرون الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية "لإدراجهم في قوائم اللاجئين الذين يحق لهم العودة إلى وطنهم في أوروبا، على غرار النازحين المنتشرين في جميع أنحاء أوروبا". وقد طلبت "منظمة المهاجرين الألمان العازمين على العودة" في فلسطين من الأمم المتحدة مساعدتهم على العودة إلى النمسا وتشيكوسلوفاكيا. وفي عام 1947، قدم المستعمرون اليهود 485 طلباً للحصول على جواز سفر نمساوي، بينما أفاد القنصل البولندي في تل أبيب أن 14500 مستعمر يهودي بولندي طلبوا تأشيرات للعودة إلى وطنهم، بينما تآمر القادة الصهاينة مع البولنديين لتأخير لا متناه في البت في طلباتهم لثنيهم عن عزمهم على الهجرة.

 

وبعد إقامة المستعمرة الاستيطانية اليهودية في عام 1948، استمرت الهجرة من فلسطين كسمة من سمات تجربة المستعمرين اليهود في البلاد. فبين عام 1948 ومنتصف الخمسينيات من القرن الماضي، غادر البلاد 10 في المئة من المستعمرين اليهود الجدد. ونظراً لقلقها إزاء فشل مشروعها الاستيطاني الاستعماري في إبقاء المستعمرين اليهود في البلاد، فرضت الحكومة الإسرائيلية قيوداً صارمة على هجرتهم منذ عام 1948 وحتى عام 1961 من خلال فرض تأشيرة خروج عليهم، والتي غالباً ما كان يتم رفضها. ولكن، وعلى الرغم من هذه القيود، فإنه بحلول الذكرى العاشرة لتأسيس دولة إسرائيل عام 1958، كان قد غادرها 100 ألف مستعمر يهودي. وبحلول عام 1967، هاجر أكثر من 180 ألف إسرائيلي، معظمهم من اليهود. وقد استمرت الحكومة الإسرائيلية بوضع العراقيل لمن يرغب بالهجرة من اليهود في الستينيات وما بعدها.

 

ورغم ذلك، وبحلول عام 1980، كان ما يصل إلى نصف مليون إسرائيلي قد هاجروا بالفعل إلى الولايات المتحدة وحدها. وبحلول نهاية عام 2003، قدّرت الحكومة الإسرائيلية أن أكثر من 750 ألف إسرائيلي كانوا يعيشون خارج البلاد بشكل دائم، غالبيتهم في الولايات المتحدة وكندا. وفي السنوات الأخيرة، تشير التقديرات إلى أنه من بين 600 ألف- 750 ألف إسرائيلي يعيشون في الولايات المتحدة 230 ألف يهودي مولود في إسرائيل (أي نسل اليهود المهاجرين- المستعمرين). وبين عامي 1948 و2015، تدعي الحكومة الإسرائيلية، بأن 720 ألف إسرائيلي قد هاجروا ولم يعودوا أبداً.

 

يشكل السكان الفلسطينيون منذ عدة سنوات أغلبية في الأرض الواقعة بين النهر والبحر، حيث إن عددهم يفوق عدد المستعمرين اليهود الذين يعيشون في البلاد. وفي غضون ذلك، كان أكثر من مليون يهودي إسرائيلي قد حصلوا على جنسيات أخرى في العقدين الأخيرين، لا سيما جنسيات أوروبية أو أمريكية، استعداداً لمغادرة المستعمرة الاستيطانية متى سقطت.

 

ليست رغبة المستعمرين اليهود المحبطين في الانسحاب من مستعمرتهم الاستيطانية، والانتقال إلى مستعمرة استيطانية أخرى تضمن امتياز العرق الأبيض، أمراً شاذاً، فقد اختار المستوطنون البيض عبر العالم الاستعماري- الاستيطاني إما العودة إلى بلادهم الأوروبية الأم، شأن المستعمرين الفرنسيين في شمال أفريقيا، والمستعمرين البرتغاليين في أنغولا وموزمبيق (على الرغم من أن عدداً كبيراً منهم قد هاجر إلى البرازيل)، والمستعمرين البريطانيين في كينيا، أو انتقلوا إلى أستراليا وكندا والولايات المتحدة (وكان الروديسيون البيض بعد 1980 قد انتقلوا في الغالب إلى دولة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا)، كما فعل البيض في جنوب أفريقيا بعد عام 1994. وفي عام 2016، قُدر أن ما يصل إلى 30 في المئة من اليهود الفرنسيين الذين هاجروا إلى إسرائيل انتهى بهم الأمر بالعودة إلى فرنسا، على الرغم من الجهود المكثفة التي بذلتها إسرائيل والجماعات الصهيونية لجذبهم وإبقائهم في المستعمرة الاستيطانية.

تكمن أهمية الحركة الجديدة "لنغادر البلاد- معاً" في أنها النتيجة المباشرة لاعتلاء حكومة نتنياهو الجديدة السلطة. وحقيقة أن الكثير من اليهود الإسرائيليين وأنصارهم الليبراليين في الخارج مرعوبون من طبيعة حكومة نتنياهو المقبلة، مدفوعين في الغالب بالقلق بشأن مصير المجتمع الاستعماري اليهودي "العلماني الديمقراطي" بحسب زعمهم

تكمن أهمية الحركة الجديدة "لنغادر البلاد- معاً" في أنها النتيجة المباشرة لاعتلاء حكومة نتنياهو الجديدة السلطة. وحقيقة أن الكثير من اليهود الإسرائيليين وأنصارهم الليبراليين في الخارج مرعوبون من طبيعة حكومة نتنياهو المقبلة، مدفوعين في الغالب بالقلق بشأن مصير المجتمع الاستعماري اليهودي "العلماني الديمقراطي" بحسب زعمهم، والذي يتحول إلى دولة دينية وعنصرية، وليس بالضرورة نتيجة عنصريتها بحق الفلسطينيين والتزاماتها بتعميق الاستعمار اليهودي، على الرغم من أن الأخيريْن هما أيضاً مصدرا قلق، بقدر ما قد يؤديا إلى تفكيك "الدولة اليهودية" عن بكرة أبيها.

 

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فقد كانت إسرائيل منذ تأسيسها دولة دينية وعنصرية، والأهم من ذلك بالنسبة إليهم هو أنها كانت ولم تزل دولة استيطانية استعمارية. وبخلاف اليهود الإسرائيليين الليبراليين وأنصارهم في الغرب، بالنسبة إلى الفلسطينيين، من المرجح أن تختلف الحكومة الإسرائيلية الجديدة عن سابقاتها فقط في خطابها الصريح حول التفوق العرقي اليهودي والاستعمار اليهودي، ولكن ليس في سياساتها العنصرية والاستعمارية الفعلية ضد الشعب الفلسطيني، وإن كانوا يتمنون أن تكون مجموعة "لنغادر البلد- معاً" بشير خير لإنهاء الاستعمار- الاستيطاني للبلاد في المستقبل القريب.