قضايا وآراء

ضعف الطالب والمطلوب.. تونس في مدار العاصفة

تسعى الرئاسة لمنع تشكيل بديل مقنع دون حل الأزمات- الرئاسة التونسية
يقف المتابع للشأن التونسي على حقيقة كون المشهد يعاني ضعف الجميع، سلطة ومعارضة، ويعاني لا مبالاة عموم الناس، دون اعتبار جمهور 25 تموز/ يوليو أو جمهور الشرعية. فعموم المواطنين أصبحوا يطاردون المواد الاستهلاكية في المحلات التجارية، بل وأحيانا يعترضون شاحنات التوزيع يريدون الحصول على حاجاتهم قبل وصول البضائع لمحلات البيع، وهي وضعية طارئة وغريبة لم يعرفها التونسيون من قبل، حتى في فترة التعاضد زمن رئيس حكومة بورقيبة؛ المرحوم أحمد بن صالح سنة 1967.

إن كل ما تفعله المعارضة هو العمل على كشف عجز السلطة/ الرئاسة أمام الرأي العام المحلي والعالمي، ولكنها لم تنجح لحد الآن في أن تكون بديلا مقنعا لكونها عجزت عن توحيد خطابها وأهدافها رغم اتفاقها في التشخيص، وعجزت عن تنظيم تحركات مشتركة تطمئن بها الرأي العام وتقنع المراقبين الخارجيين بوجود بديل يمنع حصول فوضى ويضمن الاستقرار، ويقدر على معالجة الأزمة السياسية والاجتماعية في هدوء وبعملية تشاركية تعيد التجربة الديمقراطي إلى مسارها في تجاوز للأخطاء ومعالجة للثغرات والنقائص.

وفي المقابل، فإن كل ما تفعله السلطة/ الرئاسة هو منع تشكل بديل يقنع الفاعلين الدوليين بأنه لن يكون فراغ بعد "سقوط الانقلاب"، ولكن دون قدرة هذه السلطة على معالجة مشاكل البلاد الاجتماعية والاقتصادية، بل ودون نجاح في تنظيم انتخابات لتدشين "مسار سياسي جديد" بشّر به قيس سعيد منذ حملته التفسيرية في انتخابات 2019 وأعاد التأكيد عليه بعد إقدامه على إيقاف المسار الديمقراطي وعلى تفكيك المؤسسات الدستورية، ليتولى منفردا إدارة البلاد بالمراسيم مستعملا أجهزة الدولة.

كل ما تفعله السلطة/ الرئاسة هو منع تشكل بديل يقنع الفاعلين الدوليين بأنه لن يكون فراغ بعد "سقوط الانقلاب"، ولكن دون قدرة هذه السلطة على معالجة مشاكل البلاد الاجتماعية والاقتصادية، بل ودون نجاح في تنظيم انتخابات لتدشين "مسار سياسي جديد" بشّر به قيس سعيد

تلك الأجهزة، يُعتقد أنها ليست بصدد الدفاع عن قيس سعيد ومشروعه في "البناء القاعدي"، ولا يُعتقد أيضا أنها ستدافع عن المعارضة لتمكينها من السلطة، وإنما يُعتقد أنها تعمل على منع حصول "فراغ" يؤدي إلى الفوضى، وستكون مهمتها معه أعسرَ وستكون آثاره أكثر سلبية وضررا على البلاد.

وأثناء هذا "الترنح" الجماعي تستعرُ أحقادٌ وضغائنُ، ويتواصل اللغو والإلهاء، وتشتغل "مختبرات" إنتاج التفاهة لإغراق الجميع في اللا معنى، مما يسهل عمليات الاختراق الكبرى للنسيج المجتمعي وربما لمفاصل الدولة تحقيقا لنوايا قديمة متجددة: نزع جذوة الأمل من شعبنا حتى إذا ما استحال كيانا باردا كانت عملية التشريح وإعادة التشكيل يسيرة جدا دون مقاومة، وعندها لن يكون لخطاب السيادة الوطنية من معنى ولا من وجود عملي..

لا يمكن خوض معركة السيادة دون خوض معركة القيم والوحدة الوطنية، ولا يمكن خوض معركة التحرر الوطني بخطاب الكراهية والفتنة والتحريض على الخصوم والتنكيل بالمعارضين، وشن حملات اعتقال دون احترام للإجراءات القانونية ودون وجود ملفات حقيقية.

معركة السيادة هي معركة الكبار، حين يحققون اكتفاءهم الذاتي ويخوضون منافسة وتعاملات متكافئة مع الآخرين، وحين لا ترتهن معيشتهم وحاجاتهم الأساسية بمساعدات الخارج، وحين يستنهضون همة الشعب بخطاب الأمل والمحبة والصدق، وحين يترفّعون عن صغائر الأمور وعن نوازع الثأر والانتقام، وحين لا يلجأ بعضهم للاستنجاد بمنظمات خارجية في محاولة لمنع استهداف السلطة له.

لا يمكن خوض معركة السيادة دون خوض معركة القيم والوحدة الوطنية، ولا يمكن خوض معركة التحرر الوطني بخطاب الكراهية والفتنة والتحريض على الخصوم والتنكيل بالمعارضين

وأمام تشتت المعارضة الحزبية يراهن كثيرون على المنظمة الوطنية العريقة لتكون خيمة الجميع بوجه استشراس سلطة الانقلاب وتوسيعها دائرة القصف والاستهداف.

الاتحاد العام التونسي للشغل يظل المنظمة الأقوى والأقدر على التعبئة وعلى التأثير في المسارات الوطنية في اللحظات الحاسمة، وقد شهد له العالم كما شهد له التونسيون في 2014 بنجاحه في قيادة حوار وطني ضمن رباعي؛ خرجت بعدها البلاد من أزمة كادت تؤدي إلى فوضى غير مسبوقة.

لقد استطاع الاتحاد العام التونسي للشغل في 18 شباط/ فبراير 2023 تنظيم تجمعات عمالية ومسيرات ضخمة متزامنة في كل من محافظات: توزر، ونابل، والقيروان، وجندوبة القصرين، وصفاقس، وسيدي بوزيد، ومدنين، والمنستير، وعبّر قياديو المنظمة عن كونهم لن يتخلوا عن دورهم الاجتماعي وواجبهم الوطني ولن يتركوا البلاد للمجهول.

في ظل هذا "الترنح" الجماعي، شهدت البلاد عدة "اختراقات" أساءت إليها في سمعتها الخارجية، كانت البداية مع المعارضة الجزائرية أميرة بوراوي التي دخلت التراب التونسي بطريقة غير قانونية، ثم وبتدخل من السفارة الفرنسية تم إخراجها إلى فرنسا لمنع تسليمها إلى سلطات بلادها، وهو ما أثار الكثير من التعليقات والاستياء، ولعل تلك الحادثة كانت وراء عزل رئيس الجمهورية لوزير خارجيته.

ثم كان حضور الأمينة العامة للكونفدرالية الأوروبية للنقابات؛ اجتماع اتحاد الشغل في محافظة صفاقس يوم 18 شباط/ فبراير الجاري، حيث أدلت بكلمة داعمة للنقابيين وللشغالين بتونس، مما أغضب رئيس الدولة، وقد نشرت صفحة الرئاسة في نفس اليوم بلاغا جاء فيه:

"بأمر من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، دعت السلطات التونسية المختصة المدعوة Esther LYNCH التي شاركت اليوم السبت 18 فيفري 2023 بمدينة صفاقس في مسيرة نظمها الاتحاد العام التونسي للشغل وأدلت بتصريحات فيها تدخل سافر في الشأن الداخلي التونسي، إلى مغادرة تونس وذلك في أجل لا يتجاوز 24 ساعة من تاريخ إعلامها بأنها شخص غير مرغوب فيه".

وهو موقف أدانته المركزية النقابية واعتبرته ردا على نجاح التحركات العمالية.

ولعل زيارة سفيرة الاتحاد الأوروبي لمقر الاتحاد العام التونسي للشغل بعد ثلاثة أيام ولقاءها بأمين عام المنظمة نور الدين الطبوبي؛ هي رسالة دعم وطمأنة أو لعلها سعي لتلطيف الأجواء بين الرئاسة وقادة الاتحاد.

في ظل هذا "الترنح" المخيف ووجود بلادنا في مدار "العاصفة"، تُمعن "غرفة الانقلاب" في التنكيل بالمعارضين وفي رفض سماع دعوات الحوار، وفي عدم الانتباه إلى ضغوطات الأطراف الدولية

كان ممكنا عدم الحاجة لدعم خارجي أو وساطة أجنبية لو أن رئيس الجمهورية استمع لمعارضيه وتحاور مع مخالفيه، وخاطب التونسيين كل التونسيين بدل تقسيمهم بين شرفاء وخونة.

ولعل أسوأ أزمة عرفها التونسيون هذه الأيام هي ما نتج عن إثارة ملف الوافدين الأفارقة الذين أصبح وجودهم مثيرا للتساؤل والتعليقات، مما اضطر رئاسة الجمهورية إلى إصدار بيان في الأمر نتجت عنه أزمة دبلوماسية مع الاتحاد الأفريقي؛ حاولت وزارة الخارجية التونسية معالجتها من خلال لقاء سفراء تلك الدول ثم من خلال إصدار بيان توضيحي ردا على بيان مفوضية الاتحاد الأفريقي.

وفي ظل هذا "الترنح" المخيف ووجود بلادنا في مدار "العاصفة"، تُمعن "غرفة الانقلاب" في التنكيل بالمعارضين وفي رفض سماع دعوات الحوار، وفي عدم الانتباه إلى ضغوطات الأطراف الدولية منظمات وحكومات وجهات مالية.

twitter.com/bahriarfaoui1