قضايا وآراء

كيف لعصابة كبتاجون حكم شعب؟

جيتي
لم يشكل رقم سبعة وخمسين مليار دولار الذي أعلنت مصادر بريطانية أنه العائد السنوي لتجارة الأسد بالمخدرات صدمة لدى المتابعين لهذه القضية، بل إن دوائر إقليمية عديدة ربما كانت على علم بحجم هذه العوائد، ذلك أن المسألة ليست على تعقيد كبير، فالسنوات السابقة كشفت الكثير عن هذه الصناعة وطرق ووسائل تصريفها والجهات التي تقف وراءها.

ثمة مؤشران كافيان للوصول إلى إمكانية تقدير هذا العائد: المؤشر الأول، وهو معلن للعامة، ويتمثل بحجم الكميات التي تم ضبطها في الدول العربية والأوروبية، وهي تجاوزت المليار حبة كبتاجون (سعر الحبة يصل إلى 15 دولارا) وأكف الحشيش التي تقدر بالأطنان. والمعروف في عالم التهريب أن كل شحنة يتم ضبطها يقابلها عشرات الشحنات التي وصلت إلى مقاصدها بأمان، ثم إن هذه الكميات المصادرة (والمُضحّى بها) تؤشر بوضوح إلى حجم الإنتاج الهائل الذي توفره منظومة مصانع المخدرات في سوريا وأجزاء من لبنان.

المؤشر الثاني، مسكوت عنه وغير معلن، ربما لعدم قيام الجهات المختصة في البلدان التي تستهدفها مخدرات الأسد، بإجراء إحصاءات دقيقة حوله، أو لخوف السلطات في المنطقة من تأثير الإعلان عنه على هيبتها وربما استقرارها، ويتمثل هنا بحجم انتشار الإدمان في المنطقة المحيطة بسوريا، وخاصة ضمن فئات الشباب، لكن انعكاسات هذا الأمر بدأت تتمظهر في ازدياد نسبة الجرائم وأخبار الموت المفاجئ، وكذلك ضمن الإنتاجات الثقافية والفنية التي باتت تتحدث في السنوات الأخيرة عن هذه الظاهرة بوصفها مشكلة اجتماعية خطيرة يجب التنبه لها.

في جميع الدول المذكورة تتولى عصابات خارجة عن القانون هذه الصناعة وتجارتها وثمة حروب بينها وبين حكومات الدول التي تتبع لها، في حين أنه في حالة سوريا فإن النظام نفسه هو من يشرف على هذه التجارة ويحميها

ربما يرى البعض أن المخدرات مشكلة عالمية، ويتم إنتاجها وتصنيعها في دول عديدة، كالمكسيك وكولومبيا، وحتى بعض الدول العربية والأفريقية، وبالتالي لا يجوز لوم نظام الأسد، طالما ألا أحد يأتي على ذكر حكومات تلك الدول. في الواقع ثمة فارق كبير بين الحالتين، إذ في جميع الدول المذكورة تتولى عصابات خارجة عن القانون هذه الصناعة وتجارتها وثمة حروب بينها وبين حكومات الدول التي تتبع لها، في حين أنه في حالة سوريا فإن النظام نفسه هو من يشرف على هذه التجارة ويحميها.

وتشكل عائلة الأسد رأس جبل الجليد البارز على السطح، وفي الأعماق ثمة ورشة هائلة تتشكل من مصانع ومكاتب واستراتيجيات تسويق ولوجستيات، والمؤكد أن لها فروعا إقليمية، بمعنى أن الأسد بات مشغولا بإدارة تجارة المخدرات أكثر من انشغاله بإدارة أحوال سوريا.

ثمة دلائل كثيرة في هذا السياق، من ضمنها أن هناك شعبا بكامله لم يعد قادرا على توفير أكثر من وجبة طعام رديئة في اليوم، وأن مستويات الجريمة بلغت حدودا غير مسبوقة، والبلد بات معطلا، بل إن الكثير من المناطق باتت تجترح حلولا لبعض مشاكلها وأزماتها نتيجة قناعتها أن هذا النظام الحاكم ليست لديه أي حلول وأن ساكن قصر الشعب منفصل تماما عن واقعهم.

يطرح ذلك السؤال عن أين يتم تصريف هذا العائد الضخم لتجارة الكبتاجون، والذي قد يوازي عائد دولة نفطية متوسطة؟ شرعية السؤال تأتي من حقيقة أن السوريين هم من يدفعون ضريبة تجارة مخدرات الأسد، سواء عبر العقوبات التي يتم إنزالها عليهم بسبب هذه التجارة، أو لمنع منتجاتهم من العبور إلى الأسواق العربية والدولية بذريعة تلغيمها بالمخدرات، أو عدم تسهيل منحهم التأشيرات للعمل في الخارج بسبب شبهة المخدرات، وحتى مصاريف علاج أولادهم من آفة أصبحت مقيمة في كل بيت سوري. المؤكد أنه يتم صرف جزء من عائدات المخدرات على الشعب السوري، ولكن على شكل قذائف تقتلهم وأجهزة أمنية تخفيهم، نقول جزءا وليس كامل العوائد، لأن إيران وروسيا تتكفلان بتوفير الجزء الأكبر من أسلحة الفتك بالسوريين.

المسألة ليست شبكات يتم فكها وتركيبها بأي وقت وبمجرد قرار، بل هي بُنى تشكلت ومصادر إنتاج يستحيل تفكيكها ما لم يتم تفكيك نظام الأسد بكامله. الجيش نفسه صارت له مهمة أساسية في الإنتاج والتصدير

المفارقة العجيبة أن التحرك العربي صوب الأسد يزعم أن على قائمة أهدافه يأتي تفكيك شبكات مخدرات الأسد، لكن المسألة ليست شبكات يتم فكها وتركيبها بأي وقت وبمجرد قرار، بل هي بُنى تشكلت ومصادر إنتاج يستحيل تفكيكها ما لم يتم تفكيك نظام الأسد بكامله. الجيش نفسه صارت له مهمة أساسية في الإنتاج والتصدير، حتى لو قلنا إن عائلة الأسد أُتخمت بمليارات الدولارات فإنها لو أرادت لن تستطيع تفكيك هذه الشبكات التي لها بُنى شبكية مقابلة في السلطة والإدارة والاقتصاد نفسه، وهي عملية تغذية متكاملة ونظام له تغذية راجعة ومطالب واستجابات، الخلاص منه يستلزم حربا شاملة تخوضها جهات عربية ودولية بدل الاستمرار في رهانات وحسابات خيالية.

بعيدا عن إمكانية حصول ذلك من عدمه، ثمة سؤال لا شك أنه بات يطرق أبواب العقول والضمائر الإنسانية، وهو كيف يمكن ائتمان هكذا عصابة على حكم شعب أي شعب؟ هذه العصابة التي جعلت من السوريين مختبرا لأسلحة روسيا ومليشيات إيران وللكيماوي والفوسفوري، ولمعرفة فعالية حبوب الكبتاجون والحشيش، هذه العصابة التي لا تتنشط صباح كل يوم إلا بعد إخفاء وإعدام مئات السوريين ليست سوى عقاب عالمي تم تنزيله بالسوريين.

twitter.com/ghazidahman1