تقارير

"جهاد الدفع" والمقاومة.. نقاش فقهي وفكري في المفهوم والشروط والمواقف

المحتل الظالم الذي يحتل أرضا من أراضي المسلمين، كما في فلسطين والجولان، فإن من حق الدولة التي تعرضت للعدوان إخراج المحتل، وهو حق مكفول شرعا وقانونا
في سياق تعليقها على ما تقوم به حركات المقاومة في فلسطين وغيرها من مواجهة العدو الصهيوني المحتل الغاصب وقتاله، ترتفع أصوات من أهل العلم الشرعي، تصف مقاومتها بأنها لم تستوفِ شروط الجهاد، ومنها وجوب إذن ولي الأمر، إذ إن الجهاد لا يصح ولا ينعقد إلا تحت رايته، فلا فرق بين جهاد الدفع وجهاد الطلب في ذلك حسب رأيهم.

ولفت بعض المتصدرين للفتوى في هذا الشأن إلى حالة استثنائية في جهاد الدفع، تظهر في حال مداهمة عدو لبلد من بلاد المسلمين، وخاف أهل ذلك البلد أن يستولي العدو على بلدهم، ويستأصل شأفتهم، فيجوز لهم حينئذ دفع ذلك العدو الصائل دون إذن ولي الأمر، منبهين إلى أن تلك الحالة المذكورة تُعد استثناء بحكم الضرورة من القاعدة العامة التي يشترط فيها إذن ولي الأمر.

لكن ما يثير التساؤل في حالة مقاومة العدو الصهيوني في عموم فلسطين، وفي غزة على وجه الخصوص، وهو جهاد دفع تحديد من هو ولي الأمر الذي يجب أخذ إذنه في هذه الحالة؟ ومن هو ولي الأمر الذي لا تنعقد راية المقاومة إلا بأمره وتحت قيادته؟ وهل أحسن العلماء والفقهاء الذين يتصدرون لإصدار الفتاوى في هذه المسائل تصور المسألة تصورا صحيحا حتى تكون أحكامهم صحيحة وقويمة؟

أوضح أستاذ الفقه وأصوله في الجامعة الأردنية، الدكتور عبد الله الكيلاني أن الحديث على "هذه المسألة يحتاج إلى تفصيل ونظر في نتائج الأحكام"، مضيفا: "يُعرف جهاد الدفع بأنه جهاد الكفار إذا هاجموا بلاد المسلمين وهو نوع من الصراع الذي لا يحتمل التأجيل فلا يحتاج إلى إذن من الإمام لأنه لا يحتمل التأجيل".


                                   عبد الله الكيلاني، أستاذ الفقه وأصوله بالجامعة الأردنية

وتابع: "غير أن ما يحتاج إلى نظر وتحرير واحترام مؤسسات الدولة وعدم تجاوزها هو حكم الجهاد لتحرير الأرض التي تقع تحت الاحتلال كما في فلسطين والجولان، لأن اختيار الظرف المناسب للحرب يحتاج إلى مراعاة مجموع أمور لا يجوز أن تترك للأفراد".

وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول: "وتفصيل الجواب على النحو التالي: جهاد الدفع له صورتان: الأولى: أن يداهم الكفار أرض الإسلام أو يقتربوا منها، والثانية: أن يقصدوا مسلما بعينه بقصد قتله، ففي هاتين الحالتين يجب الدفاع الشرعي ولا يتوقف الدفاع على إذن من أحد، فلكل إنسان الحق الشرعي أن يدفع من قصد الاعتداء عليه، ولا يحتاج هذا الحق إلى إذن فهو حق شرعي وطبيعي".

وأردف الكيلاني: "والصورة الثانية من جهاد الدفع أن يدفع الإنسان الاعتداء عن نفسه وأهل بيته، وهو نوع من دفع الصائل، ونص الشافعية على وجوب جهاد المعتدي الصائل (فمن قُصِدَ) مِن المكلفين ولو كان عبدا، أو امرأة، أو مريضا أو نحوه (دفع عن نفسه) الكفار (بالممكن) له..".

وبيَّن ما امتنَّ الله تعالى به على عباده بأن خلق فيهم دافعية دفع المعتدي فقال سبحانه: {وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡض لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَـٰلَمِینَ} [البقرة ٢٥١]، ففي هذه الآية حكمة من نظم العمران وأسباب بقاء الإنسان، وقد نسب الدفع إلى الله تعالى مع أن الدفع يكون من الدافع، لأن الله قدر أسبابه، وأودع في الإنسان خاصية الدفاع".

وعن حكم قتال المحتل في البلاد التي يحتمل فيها تأجيل المواجهات العسكرية، أكد الكيلاني أن المحتل الظالم الذي يحتل أرضا من أراضي المسلمين، كما في فلسطين والجولان، فإن من حق الدولة التي تعرضت للعدوان إخراج المحتل، وهو حق مكفول شرعا وقانونا.

واستدرك: "لكن هذا الحق يحتاج إلى مراعاة النتائج واختيار وقت الحرب المناسب، والأدوات المناسبة، ولذا لا بد من إذن الإمام واحترام مؤسسات الدولة، وأن لا يتحرك فيه الأفراد على نحو فردي لأنهم قد يعرضون بلادهم لمخاطر ومفاسد".

أما في حالة عدم وجود إمام للبلد الذي يقع تحت الاحتلال فأوضح الكيلاني أنه "إذا لم يكن في البلدة إمام كما في حال البلاد التي تعرضت للاحتلال زمن الاستعمار، وسقطت الدولة الوطنية، فهناك من الاجتهادات الفقهية التي يمكن التخريج عليها، منها ما ذكره الجويني عن الكافي ذي النجدة الذي يقوم مقام الإمام أو ما ذكره غيره عن الطائفة المنصورة التي نهضت لمقاومة الاحتلال كحركات التحرير الوطني، وتقوم مقام الإمام الشرعي في إعلان الجهاد".

من جهته قال الباحث المغربي، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الدكتور أحمد زقاقي: "لقد تبارت العقول المسلمة في بيان المفهوم القرآني للجهاد، وفي الشق التطبيقي شكلت السيرة النبوية نموذجا لتنزيل المفهوم، ثم تتابعت الاجتهادات فوصلت إلينا عبر الأجيال ثروة فقهية ثمينة حول (أحكام الجهاد)".


                                           أحمد الزقاقي.. كاتب وباحث مغربي

وأضاف: "وقد قاربت تلك الاجتهادات مسائل الجهاد انطلاقا من (قواعد معيارية) لا تترك مجالا لمعركة تنازع التعريف التي أججتها الاتجاهات والتيارات التي تجمد على حرفية الأقوال والأفعال، وتريد أن تثير الصدام مع العالم كله باسم (جهاد الطلب)، الذي لا يعني في حقيقته ترويع الآمنين والإكراه في الدين، وإنما ينصرف معناه إلى إزالة الحواجز المادية والمعنوية أمام بلوغ كلمة الإسلام وهدايته إلى العالمين، ليكون الناس أحرارا في اختياراتهم".

وتابع لـ"عربي21": "وبهذا المعنى اعتبر الفقهاء (جهاد الطلب) من الفروض الكفائية، أما (جهاد الدفع) فقد ذهب فقهاء المالكية والحنابلة والحنفية والشافعية إلى القول بتعينه أي اعتبروه (فرض عين)، ولا يشترط فيه إذن الإمام، بل إن الكثير من الفقهاء لم يشترطوا وجود الإمام للنهوض بأعباء الجهاد، لا سيما إن كان البلد مهددا من الأعداء، فلا تترك مواجهتهم ولو مع وجود حالة (الشغور)".

وردا على سؤال "عربي21" بشأن تنزيل تلك الأحكام على الحالة الفلسطينية، قال زقاقي: "لقد صارت القضية الفلسطينية مثلا لكل تلك المذاهب والأقوال، فمن جهة أولى هناك عدو محتل منفلت من كل الضوابط الأخلاقية والإنسانية، ومن جهة ثانية هناك (رئيس/إمام) فلسطيني تشي مواقفه (بالعمالة والخيانة) فهل يتوقف جهاد المقاومة على أخذ موافقته وهو الذي يتربص بها الدوائر"؟

وأردف: "ومن جهة ثالثة هناك دول عربية مسلمة قريبة (مكانيا) من المحتلين المعتدين لكنها تَخذُل وتُخذِّل، والمعروف فقها أن (جهاد الدفع) في حق القريبين يكون أوكد وأوجب، ومن اشترط إذن (الإمام) اشترط أن يكون من أهل العدل، وهذا ما ذهب إليه ابن رشد الجد في (البيان والتحصيل)".

ونقل عن ابن رشد قوله: "إن الإمام إذا كان غير عدل، لم يلزم استئذانه في مبارزة ولا قتال، لكونه غير عدل في أموره"، ولأنه ليس من أولي الأمر الذين تجب طاعتهم، بل هو ـ كما قال الزمخشري ـ من (اللصوص المتغلبة): "وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة ولا يحكمون بعدل، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحق أسمائهم اللصوص المتغلبة" وفق وصفه.

وخلص إلى القول "إن كنا قد أثبتنا نظريا تعين (جهاد الدفع)، وأن تركه إثم، فإن الحد الأدنى الذي يخرج من الإثم اعتقاد فرضيته على كل مسلم في السياقات المعاصرة المتسمة بتغول الدولة القطرية والتحكم في الحدود والخضوع لضغوط القوى الغربية الكبرى المتواطئة مع الكيان الصهيوني".

وفي ذات الإطار قال مدرس الفقه بجامعة الأزهر، وليد قاسم: "إن مما اتفقت عليه كلمة المسلمين وجود الجهاد وتعينه على جميع المسلمين بحسب طاقتهم وقدرتهم، إذا فاجأ العدو أرض المسلمين وديارهم، بما يحقق الردع وصد العدوان، وهذا يسمى في الفقه الإسلامي (جهاد الدفع) أو (النفير العام)".


                                            وليد قاسم، مدرس الفقه بجامعة الأزهر

وتابع: "حتى إن الفقهاء قالوا يجب الجهاد في هذه الحالة على الابن دون إذن من والديه، وعلى المرأة دون إذن من زوجها، وعلى المدين دون إذن من الدائن، وغير ذلك من الأمثلة التي تدل دلالة واضحة على أهمية الجهاد حينئذ وتعينه على جميع آحاد المسلمين، لأن انتظار الإذن في هذه الحالات ربما يؤدي إلى تمكن العدو من بلاد المسلمين ودمائهم وأعراضهم ومقدساتهم".

ونبّه في حديثه لـ"عربي21" إلى أن "الجهاد بإذن ولي الأمر أجمع للكلمة، وأقطع لدابر النزاع، وتتجلى فيه وحدة المسلمين وقوتهم، وعزتهم، ومن هنا اشترط الفقهاء إذن ولي الأمر في جهاد الطلب، أما بخصوص جهاد الدفع فإن تيسر إذن ولي الأمر فلا شك أنه مطلوب، وجوبا أو ندبا على أقل تقدير، وإن لم يتيسر إذن ولي الأمر فالجهاد فرض على آحاد المسلمين دون إذن، وهذا ما قرره جمهور الفقهاء، ولا أعلم فيه خلافا" على حد قوله.

واستشهد بما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن أن كفارا من غطفان أغارت على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجا من المدينة، فتبعهم فقاتلهم من غير إذن، فمدحه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "خير رجالنا سلمة بن الأكوع" وأعطاه سهم فارس وراجل".

وأردف: "ومما يسترشد به في هذا الصدد ما تقرر عند فقهاء الشريعة الإسلامية (أن الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة)، وتقرير ذلك أنه إذا كان في حال جهاد الدفع يسقط إذن الوالدين، والزوج، والدائن، وغير هؤلاء ممن لهم ولاية خاصة في الفقه الإسلامي، فسقوط الإذن العام أولى".

ولفت قاسم إلى أن "هذه المسألة مسألة نظرية بحتة، وإنه لا يُتصور بحال من الأحوال أن ولي أمر المسلمين يمنع أحدا من الجهاد في حال جهاد الدفع، وإلا كان مفرطا في المهمة التي وُكلت إليه، فإن الإمامة معقودة لحراسة الدين وسياسة الدنيا، ومنع المسلمين من الجهاد في حال جهاد الدفع مما يتناقض مع مهام الإمام".

وأنهى حديثه بالتأكيد على أن "الشعب الفلسطيني وفصائله المسلحة، في حالة دفع للعدو الصهيوني، وهو من باب جهاد الدفع، وهو من أعظم الجهاد لعدو غاشم لا يعرف إلا لغة القوة والبطش، ولا بد من مجابهته باللغة التي يفهمها، كما قال شيخ الأزهر، وبناء عليه فلا يتُصور بحال من الأحوال منعه من ممارسة حقه في المقاومة، أو تُكبل يده عن ذلك، وهو الذي يقرر متى يبدأ معركته، ومتى يتوقف، حتى يحصل على حقوقه المشروعة، وحريته المسلوبة".