قضايا وآراء

تتأجل للصيف الماضي!

1300x600
أقر بأني أكتب، الآن، عن موضوع ما أعرفه عنه يقل كثيرا عما يجب عليّ أن أعرفه؛ كي أبدأ الكتابة، ولذلك فأنا سأطرح أسئلة أكثر مما أقدم تصورات أو آراء. وأعتقد أن الكثير من القراء، أو بعضهم على الأقل، قد تابع تفاصيل ما سأطرحه، وربما تكون لديه من المعلومات ما أجهله.

تابعت لنحو شهر "مسألة" التعيينات في مجلس الدولة، وسأعرض عناصرها، وفي الخلفية أستمع لأغنية لعبد الحليم حافظ من فيلم "أبي فوق الشجرة" لتلطيف جو الريبة والغموض الذي يغلف الموضوع بمجمله. وأنا أعتمد على ما نشرته الصحفية شيماء القرنشاوي في صحيفة "المصري اليوم"، وأقدمه هنا بترتيب وفقا لتوقيتات نشره:

في البداية كان هذا العنوان: "تصاعد أزمة استبعاد أبناء قضاة بمجلس الدولة من التعيين.. تهديدات بالاستقالة وإقامة دعاوى قضائية اعتراضا على القرار". وبعد ثلاثة أيام، نُشر موضوع حمل هذا العنوان: "العدل غاب عن مجلسكم.. نص تظلم أحد المستبعدين من التعيين في مجلس الدولة"، ثم وبإيقاع ينتظم مع إيقاع الخبرين السابقين، جاء موضوع، هذا عنوانه: "تجاهل رئيس مجلس الدولة لـ"التظلمات" يشعل أزمة أبناء القضاة المستبعدين من التعيين".

وتسارع الإيقاع قليلا، فبعد يومين فقط قرأت: "دعوى أمام القضاء الإداري تؤكد مخالفة القرار للواقع والقانون"، لكن الصمت طال بعد ذلك لعشرة أيام، ليأتي الختام بصورة لاهثة، مدوية، على هيئة خبرين متتابعين، تفصل بينهما ساعات قليلة. فأولا، قرأت فجرا: "مجلس الدولة يعتمد الحركة القضائية لأعضائه.. والتظلمات 7 سبتمبر"، ولملمت الأوراق مع انتصاف النهار على: "مفاجأة في الحركة القضائية لمجلس الدولة: نقل القاضي والد صاحب تظلم "العدل غاب عن مجلسكم" من الإدارية العليا للمفوضين".

وها هو عبد الحليم يعيد "الكوبليه" الأخير: شطبنا، شطبنا، تتأجل للصيف الماضي.

هل هذه سخافة مني؟ استظراف، جليطة، عدم تقدير؟

سأحاول البحث عن الإجابة.

نحن أمام بناء مسرحي يمتزج فيه عناصر من "مأساة/ تراجيديا" لها ملمح "عائلي"، وأجواء تشويق، مع "ملهاة/ كوميديا" موقف، قاتمة، وهناك "أشباح، ساحرات، قوى "غامضة" ذات ملمح "ميتافزيقي/ غيبي".

خمسة فصول، إذا، وبطل محوري، تمهيد، عرض، ذروة/ تعقيد، ثم نهاية.

* * *

عناصر الفصل الأول كالتالي: قرأ عدد من "كبار" قضاة مجلس الدولة نص القرار الجمهوري فاكتشفوا أن أبناءهم، الذين تقدموا للعمل كمندوبين مساعدين في المجلس ضمن دفعة 2016-2017، قد تم استبعادهم من التعيين، فذهبوا مجتمعين (هكذا فهمت من صيغة الخبر، وإن كنت لا أتصور حدوث هذا، فأغلب الظن أن عددا منهم فقط هو الذي ذهب) لمقابلة المستشار محمد حسام الدين، رئيس مجلس الدولة.

وهنا يبرز سؤالي الأول: هل هذا طبيعي، منطقي؟ جهة ما تقدم أشخاصا للعمل فيها، وهؤلاء الأشخاص أهليتهم كاملة، أي أنهم: بالغون، راشدون، عاقلون، وأن هذه الجهة استبعدتهم من التعيين، فما دخل الآباء بهذا؟ لماذا لم تذهب الأمهات أيضا؟

ها هي السخافة، والاستظراف والجليطة وعدم التقدير تعاودني!

سؤالي لا محل له؟ فهل هذه الصيغة مرضية: وفق أي منطق ذهب "كبار" قضاة مجلس الدولة لمقابلة "كبيرهم"؟

الخبر (أقصد الفصل الأول) يخبرنا أن هؤلاء "الكبار"، أو بعضهم على الأقل، سأل "كبيرهم": من استبعد "الأولاد"؟ هل هو المجلس الخاص - أعلى سلطة إدارية في مجلس الدولة - الذي يرأسه (كبيرهم) المستشار حسام الدين؟ وهل جرى حذف أسماء "الأولاد" من كشف أسماء المقبولين الذي أرسله المجلس إلى رئاسة الجمهورية للتصديق عليه؟

المستشار حسام الدين أجاب، نافيا: المجلس لا علاقة له بمسألة الاستبعاد، وإنما تُسأل عنها "جهات أخرى".

تنفلت مني مشابهة، تضم إلى ما سبق: هذا مشهد معاد من نسخ كثيرة لموقف عطس فيه علي بابا داخل المغارة: في غريب في المغارة!

الكبار ردوا على كبيرهم بالقانون: القواعد والتقاليد القضائية المعمول بها في هذا الشأن المسؤول الأول عنها هو مجلس الدولة أو الجهة القضائية التي يتقدم لها راغبو التعيين، فهي من تُجري المقابلات الشخصية وترد إليها التحريات الأمنية وكذا نتيجة الكشف الطبي على المتقدمين، لتكون كافة النتائج في هذه المراحل بيد الجهة القضائية التي تضع كشف الأسماء المقبولة وترسله لرئيس الجمهورية للتصديق عليه ونشره بالجريدة الرسمية.

...: رحمكم الله يا أبو سريع

...: مش أنا يا ريس

...: في غريب في المغارة.

مشابهة سخيفة، أعرف، كما أعرف (من الخبر بالطبع) أن 23 قاضيا، بينهم رئيس بالمحكمة الإدارية العليا ورئيس بمحكمة القضاء الإداري ورئيس بهيئة مفوضي الدولة وآخرون بدرجات قضائية مختلفة بالمجلس، سألوا: "جهات أخرى"؟ ثم أتبعوها بـ: "اشمعنا"، وسأذكره لأنه موجود في الخبر، "اشمعنا ولاد الجندي الاتنين".

"ولاد الجندي"؟

الجندي، هو المستشار أبو بكر الجندي، نائب رئيس مجلس الدولة، أما "ولاده"، فهما توأمان تقدما للتعيين، وتم لهما (له في الواقع؛ كما يذكر الخبر) ما أرادا.

ويسدل الستار على الفصل الأول والكبار يخرجون مغاضبين، وهم يقولون: بيننا القضاء، مش حنسيب حق العيال.

هذا بالطبع من فرط سخافتي.

* * *

الفصل الثاني أطول الفصول، فحسب التقسيم "المدرسي" لبنية المسرحية، فإنه يجري في الفصل الثاني عرض لتشابك خيوط "الدراما".

عمر سامي رمضان درويش - نجل نائب مجلس الدولة وعضو المحكمة الإدارية العليا - يخبرنا، كما جاء في نص تظلمه من قرار استبعاده، والمنشور ضمن الخبر الذي يُختصر عنوانه إعلاميا للتشويق "العدل غاب"، أن "اختيار من يتم تعيينهم في وظائف مجلس الدولة شأن أصيل للمجلس الخاص للشؤون الإدارية بمجلس الدولة، ولا بد أن يتم ذلك بموافقته طبقا لأحكام قانون مجلس الدولة، وأنه لم تسبق سابقة أن تدخلت رئاسة الجمهورية أو "إحدى الجهات" في تعيين أعضاء مجلس الدولة بالإضافة أو الحذف من تلقاء ذاتها ومن غير موافقة المجلس الخاص، كما أن ذلك الأمر لم يسبق أن جرى من أي هيئة أو إحدى الجهات بالدولة".

غريب في "المغارة" يا ريس!

يهمنا من باقي التظلم ثلاث وقائع يذكرها نجل المستشار:

فهو يذكر أنه جرى من قبل (لم يذكر متى) أن أعاد "المجلس الأعلى للقوات المسلحة مشروع قرار التعيين في وظيفة مندوب مساعد لاعتراضه بسبب تقديرات بعض من تم اختيارهم".

صوت شويكار يخرق حجب الزمن: أنت بتقول "أعلى" يبقى أنت اللي...

سخافتي لا حدود لها، ونجل المستشار يقطعها، بحسم "المجلس الخاص أصر على تعيين الأسماء التي وافق عليها".

هكذا هو الحال: "الأعلى" أعاد، و"الخاص" أصّر.

ألم أقل في البداية: أعرف القليل، ولدي من الأسئلة الكثير، ما دخل "الأعلى" في عمل "الخاص"؟ وما هو شعور الذي أعاد تجاه من أصر؟

الواقعة الثانية التي يخبرنا بها نجل المستشار، عبر تظلمه المنشور، أنه جرى فيما سبق (لم يحدد متى) أن أعاد السيد رئيس الجمهورية (لأن نجل المستشار لم يذكر متى جرت الواقعة، فلا يمكننا تحديد شخص الرئيس) مشروع قرار التعيين لأنه تضمن اسماً سبق إنهاء خدمته من النيابة العامة وتولى المجلس الخاص بمجلس الدولة بنفسه رفع الاسم".

الواقعة الثالثة تذكر أن المستشار "في اليوم الأخير من شهر سبتمبر من كل عام، قبل بداية العام القضائي كان يستدعيني (المقصود نجله) إلى مكتبه ويكتب أمامي استقالته من القضاء ويقول لي هذه الورقة في جيبي هي حصانتي وهي سلاحي الذي يعصمني من أن أفعل يوما ما يرفضه ضميري".

حكاية الاستدعاء والاستقالة هذه لطيفة جدا، دعنا من الكلام "الكبير"، ولنفكر لم يحدث هذا؟ هل يدرب المستشار نجله مسبقا، أثناء عطلته الدراسية على قواعد العمل؟ هل من الطبيعي أن يذهب "الأولاد" إلى مكاتب الآباء؟ الطبيب يستدعي "الأولاد" لغرفة العمليات، ضابط الجيش يستدعي.. الوزراء.. الرئيس..؟

لدينا نقطة واحدة جديرة بالبحث والتفكير، أما ما بقي في التظلم فيسميه معلمو الدراما والكتابة المسرحية "فائضا لغويا"، ومن هذا القبيل، جمل مثل التي يعيد فيها المتظلم ما قاله له والده المستشار: "إن حذائي نظيف وقلمي حر ولا أخشى إلا الله"، أو "لم أطمح في الوظيفة سعيا لنيل منصب أو جاه، فقد شهدت المناصب تزول من أصحابها ويذلوا في حياتهم، ولم أسع إلى مال فلقد تعلمت في بيتنا منذ حداثة سني أن القاضي إذا اغتنى من عمله فهو لص".

الجدير بالتفكير ما ذكره نجل المستشار من أنه "إذا كان السبب الحقيقي وغير المعلن هو الانتقام من والدي بسبب أحكام قضائية كتبها وشارك في إصدارها، ولو تم ستر ذلك بأسباب أخرى تنال منه ومن سمعته فأنا أفخر بوالدي.. ولا أقبل انتقاما من والدي أو ضغطا عليه في عمله بسببي"، فهنا أمران: أحكام قضائية ترى "جهات أخرى" أنها أضرت بها، وأنها تنتقم، ثم أمر غامض للغاية "أسباب أخرى".

هذا كان يستوجب مني البحث في سجلات مجلس الدولة واستخراج الأحكام التي شارك في إصدارها وكتابتها المستشار كي أخمن الـ"جهات أخرى"، ولكني لم أكن، مع إمكانية حدوث هذا، قادرا على تصور الأمر بمجمله إلا بمعرفة الـ"أسباب أخرى". الحكاية غامضة، غامضة فعلا، غامضة لدرجة أنه ذكر في السياق "الأعلى" و"السيد" الرئيس صراحة، ولكن يجري "التمويه" في منطقة "أخرى"، هذا غريب وغامض فعلا.

* * *

دفع تظلم نجل المستشار للنشر دفع بالتشويق إلى ذروة بعيدة، وليس مهما، كثيرا، من الذي "دفع" للنشر، المتظلم أم والده المستشار، أم متظلم آخر، أو والده المستشار الآخر، أم أشخاص ممن تلقوا التظلم، أم جهات أخرى، هذه تفاصيل، التظلم نُشر، بصيغته "الكاملة"، على حد تأكيد الصحيفة، فأصبح الخبر (الفصل) التالي متوقعا، إلى حد ما، ووقوع المتوقع في الواقع المعاش أمر مستحب للبعض، ومكروه للبعض، بحسب المصلحة فيه أو الضرر منه، لكن في الدراما غالبا ما ينصح الكاتب المبتدئ بعكس ذلك.

وما جرى أن رئيس مجلس الدولة تجاهل التظلمات فزادت "الأزمة" اشتعالا، وتصاعدت "تهديدات بالاستقالة وإقامة دعاوى قضائية"، ثم حدث بالفعل، فتلقت محكمة القضاء الإداري دعوى قضائية من أحد المستبعدين من التعيين، طالبت "بوقف تنفيذ قرار التعيين".

نعرف من الخبر اسم الذي أقام الدعوى (عمرو عبد السلام المحامي) لكننا نجهل اسم الطاعن على القرار، فـ"عبد السلام" وكيل عن الطاعن، وكل ما نعرفه (بحسب الخبر) أن الطاعن على القرار "حـاصل على ليسانس الحقوق من كلية الحقوق جامعة عين شمس بتقدير جيد جدا"، وأنه، بحسب الخبر الذي ينقل ما جاء في الدعوى: "غير تفوقه العلمي، يتمتع هو وأسرته بسمعة طيبة لا تشوبها شائبة، ولا يوجد ما يقلل من كفاءته أو ينال من تمتعه بالصلاحية اللازمة لشغل هذا المنصب الرفيع".

* * *

الخبر (الفصل) الرابع رسمي، ومقتضب، فقد اعتمد رئيس مجلس الدولة الحركة القضائية لقضاة المجلس للعام القضائي (2022/2021)، بعد موافقة المجلس الخاص عليها.

وذكر بيان للمجلس أن الحركة القضائية أُجريت في أضيق الحدود ولم تتوسع في التنقلات، وذلك بسبب "جائحة كورونا"، فضلا عن الاستجابة قدر المستطاع لرغبات أعضاء المجلس، في ضوء القواعد التي أقرها المجلس الخاص، وبمراعاة الظروف العائلية والمرضية للقضاة، وكذلك عدم توطين أعضاء المحاكم، إنما تقريبهم فقط.

وحدد قرار الحركة القضائية 7 أيلول/ سبتمبر الجاري لبدء تلقي تظلمات الأعضاء على الحركة، وفقا للقواعد والإجراءات المعمول بها في هذا الشأن.

* * *

الخبر (الفصل) الخامس، الختامي، يبدو وكأنه لا يفصله فاصل على الرابع، ومن الأفضل للمخرج أن يدمجهما، معا، لتصبح المسرحية من أربعة فصول فقط، فقد كشفت الحركة القضائية لقضاة مجلس الدولة، بحسب تعبيرات الصحيفة، عن "مفاجأة من العيار الثقيل، حيث تضمنت نقل المستشار سامي درويش، نائب رئيس مجلس الدولة وعضو المحكمة الإدارية العليا، ونعرف بالطبع من هو المستشار المنقول.

الصياغة الخبرية في الصحف التي تعتمد تعبير "مصادر"، أو "مصادر فضلت عدم ذكر اسمها"، يقابلها في الصياغة المسرحية تعبير "أحدهم"، أو "بعضهم"، دلالة تجهيل شخصية المتحدث.

إذا، فقد قال "بعضهم" إن نقل المستشار "يخالف لائحة المجلس والتي نصت على أن نقل أي عضو بالمحكمة الإدارية العليا لا يجوز إلا بعد موافقته أو بناء على طلبه"؛ وهو ما لم يحدث في قرار نقل درويش.

* * *

تعديل بسيط على بنية المسألة/ الحكاية/ القصة/ المسرحية:

الفصل الأول عرض للموضوع بعناصره: قرار، مقابلة، احتدام، تهديد.

الفصل الثاني ينقل إليه ما جرى من رفع دعوى من ترتيبه الحالي (الثالث) ليصبح الثاني.

الفصل الثالث هو الذروة: التظلم، حوارات المستشار ونجله، المجلس الأعلى، رئيس الجمهورية، جهات أخرى.

يدمج الفصل الرابع والخامس معا، لتصبح المسرحية أربعة فصول فقط.

* * *

ملاحظات ختامية: في الكتابة انسحبت محاولة "الاستظراف" والتلطيف تلقائيا، وكأن الوقائع خلقت "تماهيا" بين الكاتب والشخصيات، وقد جرى كل هذا بدافع الاحترام والتقدير. فالأسئلة والتعليقات، عامة ولا تستهدف أية شخصية، وهي في عموميتها تكشف مدى الانحطاط في الواقع، وهو يجر المشاركين فيه إلى هذيان فعلي لأنه إذا كان هذا هو الحال في القمة فماذا يجري فيما يليها؟ وللأسف الشديد سأعاود تشغيل: دقوا الشماسي، كي أختم: شطبنا، شطبنا، تتأجل للصيف الماضي.